قصيدة عبدالله العكشة بالظلم العثماني

عبد الله العكشه

لم يعد الشاعر عبدالله العكشة الى أرض وطنه إلا بعد هزيمة الدولة العثمانية وانتصار قوات الثورة العربية الكبرى وفرسان العشائر الأردنية على المحتل العثماني وتحريرهم لكامل الأرض الأردنية، حيث نظم قصيدة يذكر بها قساوة ما عاناه الأردنيون من قوات الاحتلال العثماني وتسلطها وظلمها لأهل وطنه طيلة قرون من حكمها الغاشم، وينتقل للحديث عن أهوال الحرب العالمية الأولى وسعير اشتعالها والتحضير لها :

ألبارحة عين اعْنَ النَّوم لاَجَتْ             إوْ حالي مِنْ كِثَر الاهموم هاجت (1)

تِقلْ مَوجَاتَ البحَرْ يَوم هَاجتْ             إوْ قلبي في بَحَر الهواجيس جالِ (2)

قلبي تِفكّرْ بَالبَلا وَالمِصِيبه ،               واحْوالْ دْهَركْ صَايره مِستريْبه (3)

زالَ السَّعَدْ، وَالويلْ جَانا لهِيبَه،            تِزَلزَت إرْكان حَالَ الاحوال (4)

أللهْ مِنْ حِرْب غَشَانا سَنَاهُا،                شَطَّت على الدِّنيا تِزايد بلاها، (5)

عَمَّتْ خَلايق نايْمهِ في اخْباها              سِبْحان مِن هُوه على الكِلّ والي (6)

حربا ً سَناها طَالْ روُس المشاريفْ،      نار ادعَقتْ بِالهيشْ اوْ باقي التلافيف (7)

مَالَهْ مِثْل اوْ لاَ سِبَقْ لَه تِواصيفْ،         عَفَّت اشروشْ امْغَطِيْه بالدّمالِ (8)

الموتْ لاَوجوه المداغيش قَصَّاب،         إعْيالْ مِنْ شَرَّه غدوا اليوم شيَّابْ (9)

وِاطفَالْ ضَاعَتْ بِوَعَرهْا والاهضْاب،     وارَواحْ رِخْصَت بَعَدْ ما هي غوالي (10)

حرباَ مَهُولِة إو ما سِبَقْ لهَ بالامثال،       كِثرةِ عَسَاكِرْ لَلْقِبيلين تَنهالْ (11)

إمْكَمَّلِهْ باسْلاحْ عَ الكيف يا ارجالْ         آلات اجهنَّم زايدة بالشَّعالِ (12)

مَوازنا ً تكْسِرْ مِتينَ الاعظامِ                مَدَافعا ً تِفني خَلايقْ وَانامِ (13)

فعلَ القنابل زايدا ً بالاكرامِ،                أَللِّي ادهَجَنُّه ما بقي ليَهْ تالي (14)

بَالوَصِفْ غَوَّصاتْ مِنْ تحتِ الابحارْ،     وِالاَّ اقلاعا ً بالهوا فوق طيَّاره (15)

وِالاَّ حَناتيرٍ على القَاعْ سَيَّارْ ،              وِالاّ مراكِبْ عَ الابحور الزَّلالِ (16)

ثلاثِ اسنْينٍ وَالعربْ بَالبلاَوي،             ذاقوا مِظالْمِ مَعْ عَذاب او مِساوي (17)

كانَ السَّببْ (جمال) باشا خلاوي*          النَذَلْ نَذَل أوْ لو يسمَّي جمالِ (18)

يَا ظِلُمْ تِركيَّا ، غذا اليوم مَشهور،          يم العرب سَاقَت ثَلَثمْيِةِ طابورْ (19)

(جمال) باشا كِنَّه الوحش مَسْعورْ           جزارْ ما يَرحمْ رِضيعَ الطَّفالِ (20)

بَسّ هَقِوتهُ يشفي غَليِلُه ابْعربها              مِشانقا ً ، وفي كلّ مَوضعْ نِصَبهْا (21)

إفْحولَهم يَمَّ المجازرْ جَلَبهْا                   هذا امَلْولَحْ ذاكْ بالنَعش شالِ (22)

مِنْهُمْ في عَتْمَ السراديبْ مكتوبْ،             إوْ منهم مِنْ شَرَّ العذايات مخطوف (23)

مِنهمْ على المقابل فَاتْ مَزنوفْ،              مِنهمْ فرارا ً بالافِجوج الخوالي (24)

سَرْقن حَريمٍ ما عليهن جَنيِّهْ،              واطْفَالْ رِضَّعْ ما ايَعرفوا الخطيَّه (25)

إوْ حَريمْ مبكّي يا دموع سخّية             على افَراق اعيْالهنْ وَالرِّجال (26)

راحوا العَربْ شِتاتْ بكلِّ الاوطانْ،        في (أنْقَرةَ) و (قونية) إوْ نِيْة قوزان (27)

مِثلْ عَبيدَ الرِّقّ، من قَبلْ ذِلْوانْ            عَبيد يِنْجلبُونْ وَالسِّعرْ غَالي (28)

هَيْلَ الامْوالْ رَاحُون كِتهم مَماليكْ،        عِقْبَ الغَنَى اليومْ لَونَ الصَّعالِيكْ (29)

مَصْرُوفهم يَومِي عِدَّة مِتَاليكْ،             إمْنَ الوَرَقْ أَللِّي عَليَه الاِهْلاَلِ (30)

يَا ربَّ يَا اللِّي عَ المخاليقْ وَايقْ          يَا امْفرِّج الضِّيقَات يَومَ المضَايقْ (31)

يا عَارفا ً سِرَّ الخفا بَالدِّقايقْ،             إلْطِفْ بِنا مِنْ مَيْلية الحالْ مالِ (32)

إرْحم اطفْالا ً ما عليها شِفيِق             إوْ حَريمْ تِبكي اصِياحَهِن والزّعيق (33)

غَدَنْ شِتاتٍ بَيْن وَعْر او طَريق         غِفرات عاشَنْ بالِحْلَى والدَّلالِ (34)

شرح الابيات

(1). البارحة حادت عيني عن النوم ، واضطربت أحوالي من كثرة الهموم .

      لاجَت : هجرت النوم .

(2). مثل أمواج البحر عندما هاجت وقلبي كان يطوف في بحر من الهواجس.

      الهواجس : الأفكار المزعجة الحائرة المضطربة .

(3). قلبي يفكر في البلاء والمصائب ، وأحوال الدهر المريبة.

    مستريية : باعثة على الارتياب . زال السعد : فقد الحظ الحسن.

(4). فقد الحظ وجاءنا يهب لنا الويلات ، اضطربت أسس الحياة وأحوالها .

     حال الأحوال : تحول كل أمر كان في الأصل مستقرا ً.

(5). أشكو إلى الله من حرب لفنا دخانها ، التهبت على الدنيا وزادت أهوالها .

     شطَّت : التهبت بسرعة .

(6). عمت بشرا ً مُسالمين ينامون في بيوتهم مطمئنين ، سبحان الله والي كل البشر!..

     إحباها : بيوتها ،والخباء في الأصل مستقر العروس  دلالة على الأمثلية.

(7). هي حرب وصل دخانها إلى أعلى الأعالي ونار أحرقت الغابات وما حولها .

      سناها : معناها هنا ، الدخان الكثيف .

(8). ليس لها مثيل ولا سبق أن وُصف مثلها استأصلت الجذور التي تحت الأرض.

      التلافيف : ما حول الغابة .

     عَفَّت : استؤصلت الجذور المدفونة تحت التراب.

(9). الموت أهلك الهجَّامين من الأبطال ، شبان من شر الحرب صاروا شيوخا ً

(10). أطفال ضاعوا في الوعر والهضاب ، ورخصت الأرواح بعد غلائها .

(11). حرب هائلة لم يسبق لها مثيلة ، وعساكر كثيرة تنهال على المتحاربين.

(12). سلاحها كامل كما تشتهي ، آلات جهنمية يزيد اشتعالها.

(13). بنادق موزر تحطم العظام المتينة ، ومدافع تفني الخلق والأنام.

(14). أفعال القنابل زائدة جدا ً ، وكأنَّ زيادتها هي تكريم لضحاياها . فالذي أصابته ، ما بقي له من أثر !

(15). يصنعون غواصات في البحار وقلاعا ً طائرة في الهواء .

       إقلاعا ً : شبه الطيارات بالحصون الطائرة.

(16). وسيارات في السهول سائرة ومراكب على البحور الصافية .

       حناتير : مفردها حنتور ، ويعنون بها السيارة .وكانوا يطلقون هذا الاسم عن العربة ذات الراكب الواحد يقودها حصان واحد .

(17). قضى العرب ثلاث سنين بالمصائب . ذاقوا ظلما ً وعذابا ً وإساءات .

 (18). السبب جمال باشا وحده ، النذل نذل ولو سمي جمالا ً . خلاوي : وحده لا رفيق له .*لام خلاوي مضخمة.

(19). ظلم الترك أصبح مشهورا ً جردوا على العرب ثلاثمئة طابور.

(20). جمال باشا يشبه الوحش الكلب – المسعور – ، جزار لا يرحم رضيع الأطفال.

(21). غرضه الأوحد شفاء غليله من العرب ، فنصب المشانق في كل مكان.

        هقوته : مراده . فحولهم : عني بذلك عظماء الرجال . إملولح : يتأرجح متدليا ً بحبل المشنقة .

        شال : رُفع .

(22). ساق عظماءهم إلى المجازر فهذا يتأرجح مشنوقا ً ، وآخر محمول على النعش.

(23). بعضهم مصفد في السراديب المظلمة ، وبعضهم خطف لونه من شر العذاب.

(24). ومنهم من أدخل في المقابر ذليلا ً ومنهم الذي فرَّ في البراري الخالية .

       فرار : هارب. الاقجوج : مفردها فجِّ ، الصحارى الخالية العظيمة الاتساع.

(25). هجّروا نشاء لا جريمة لهن ، وأطفالا ً رضعا ً ما يعرفون الخطيئة.

        سَرْفن : كلمة تركية معناها أبعد عن الأوطان . ومنهم من يقول (سَرْ فَلْ).

       ما عليهن جَنيّة: لم يَرتكبن جنابة.

(26). ونساء يبكين بدموع سخية ، على فراق أطفالهن ورجالهن.

(27). شتت العرب بجميع الأوطان ،في (أنقرة) و (قونية) و (القوقاس).

       (أنقرة) و (قونية) و (ادنة) مدن في تركية في الأناضول . هيل الأموال : أهل الأموال.

(28). كعبيد أرقاء في الزمن القديم قبل زماننا هذا ، عبيد يجلبون للبيع وأثمانهم غالية .

(29). أهل الأموال أضحوا كأنهم مماليك ، بعد الثراء اليوم يشبهون الصعاليك.

      ميلة الحال مايل : تبدل الأحوال الى أتعس ألوان الشقاء.

     زعيق : صراخ بذعر شديد . غَدَن : أصبحن .

(30). نفقاتهم اليومية أتفه أنواع النقد  . متاليك : جمع متليك ، نقود تركية الواحد منها عشر بارات من ورق النقد العثماني عليه الهلال – والبارة تساوي فلسا ً.

(31). يا الله أنت مطلع على كل الخلائق يا مفرج الضيق أيام الضيق.

(32). يا عالم أدق أسرار الخفا، أُلطف وأنقذنا من الحوال المائلة .

(33). ارحم أطفالا ً ليس هناك من يشفق عليهم ، ونساء يبكين بكاؤهن زعاق.

(34). أصبحن مشتتات بين الوعر والطرق كالغزلان الصغار عشن بين الحلى والدلال .

المصادر:

معلمة للتراث الاردني، روكس بن زائد العزيزي، مطبعة السفير، 2012.

عرس البويضا، فريد العكشة، وزارة الثقافة،2011.