عبده موسى – أيقونة الربابة الأردنية

عبده-موسى

طابع بريدي تذكاري تكريمًا للفنان عبده موسى

النشأة

وُلد الفنان الأردني الراحل عبده موسى في إربد عام 1927 يتيمًا، ونشأ فيها في جوٍّ مفعمٍ بمحبة الناس والألفة فيما بينهم، وظهرت فيه موهبة العزف على آلة الربابة منذ صغره، حيث كان يجلس إلى جانب عازف الربابة في مناسبات مختلفة ليراقبه أثناء عزفه عليها ويحاول أن يلتقط تقنية الأداء على هذه الآلة ذات الوتر الواحد، وعندما يترك العازف ربابته كان يمسك بها عبده موسى ويحاول تطبيق ما لاحظه بالنظر، ومرة تلو الأخرى استطاع أن يجيد العزف عليها وهو في العاشرة من عمره، وبذلك بدأ عبده موسى يلفت أنظار مَن حوله إلى موهبته التي نمّاها بنفسه، فبدأ مشواره مع ربابته التي اختارته ليشكّلا معًا ثنائيًا تاريخيًا قفز بالموسيقى الأردنية إلى مراحل متقدمة من الاحترافية والحداثة بمضمون أردنيٍّ أصيل. وظل حضور عبده موسى يأخذ بالتزايد وخصوصًا في السهرات التي كانت تقام في الصيف على البيادر في مواسم الحصيدة، والتي كان يحضرها شاعر الأردن الكبير عرار ورئيس المخيم العسكري آنذاك زاهي مشربش.

كانت انطلاقة الحياة الفنية لعبده موسى عام 1958 في أولى الحفلات التي أحياها في عمّان، وكان من بين الحضور فيها شخصيات مرموقة من رجالات الأردن الذين كان لبعضهم الفضل المباشر في دعم الموسيقى الأردنية ومنهم : دولة الشهيد هزاع المجالي، المشير البطل حابس المجالي، الشريف عبدالحميد شرف، عاكف الفايز، خليف التل، نعيم التل، والشيخ لورنس الشعلان وغيرهم. ولشدة إعجاب دولة الشهيد هزاع المجالي بموهبة عبده موسى اصطحبه في اليوم التالي إلى دار الإذاعة الأردنية، وأوصى بتعيينه، وقد أُعجِب كل مَن كانوا في الإذاعة بموهبة عبده موسى وقدراته في غناء الألوان البدوية والريفية باحتراف ودقّة.  بعد استدامة عمله في الإذاعة الأردنية رحل عبده موسى واستقرّ في العاصمة عمان بالقرب من عمله. ونظرا لأن الراحل عبده موسى لم يكن يجيد القراءة والكتابة فقد كانت الإذاعة الأردنية تكلّف أحد الأشخاص كي يهمس في أذنه بعبارات الأغنية التي يغنيها، وعرف دولة الشهيد هزاع المجالي بالأمر فوجه دولة الشهيد وصفي التل الذي استلم إدارة الإذاعة الأردنية بضرورة اتخاذ الإجراء اللازم، فأمر الشهيد التل بتكليف مُدرِّسٍ خاص لتعليم عبده موسى القراءة والكتابة ودفع أتعابه من ميزانيّة الإذاعة، وذلك إيمانًا من الشهيدين العِظام بأهميّة أن ينمّي الفنان مهاراته المعرفية والعلمية بصفته رمزًا للثقافة والتنوير، واهتمامًا منهما بالفنان عبده موسى وإعجابهما به. ولعلّ أولى التجارب المميزة التي كانت ثمرة وجود الراحل عبده موسى في الإذاعة هي إدخال آلة الربابة كآلة صولو رئيسية في التوزيع الموسيقي لأغنية “دخلك يا زيزفونة” للفنان الأردني توفيق النمري، وفيها يتحاور وتر الربابة مع آلة الناي بكل احترافية وأناقة وجمال.

الفنان عبده موسى عازفا على ربابته

المرحل الفنية 

يمكن توزيع مسيرة الفنان عبده موسى الفنية على ثلاث فترات أساسية امتازت كل واحدة بتجارب من نوع مختلف نتج عنها مجموعة الأعمال الفنية الخالدة التي أبدع فيها عبده موسى في التعبير عن الهُوية الغنائية الأردنية وجاعلاً من الربابة الأردنية محط أنظار الجميع وإعجابهم.

  • الفترة الأولى : كانت خلال عمله في الإذاعة الأردنية، والتي ظل يعمل فيها حتى وفاته، وأنتج خلال هذه المرحلة العديد من الأعمال التي عكست فهمه العميق للعادات الأردنية بين الريف والبادية، الأمر الذي مكّنه من أداء الألوان الغنائية الأردنية بشكلها الأصيل ودون أي تكلّف أو تصنّع، وبالتالي محبة المستمعين التلقائية له ولصوته ولأدائه القريب من قلب كلّ أردنيّ. بدأت شهرة عبده موسى بالاتساع عبر مشاركته في البرنامج الإذاعي “مضافة أبو محمود”، والذي كان يؤدي في كل حلقةٍ منه أغانٍ تعكس كل واحدة منها لونًا من الألوان الغنائية الأردنية. وبسبب عدم انتشار المحطات التلفزيونية آنذاك، ذاع صيته في الأردن والدول المجاورة بسهولة وصار اسمه معروفًا لدى الجميع في المنطقة.
  • الفترة الثانية : كان عبده موسى فنانًا توّاقًا للتجديد ولاكتشاف مساحاتٍ فنّية مختلفة، لذا اتجه فيما بعد إلى أداء الثنائيات مع آخرين، وبسبب شهرته ونجوميّته، إلى جانب تواضعه ودماثته، كان الفنانون يتزاحمون على أداء الأغاني معه، لمحبتهم له، ولكي يختصروا الكثير من الخطوات اللازمة للوصول إلى الشهرة المطلوبة، فالغناء إلى جانب النجوم في ذلك الوقت كان الطريق الأسهل للشهرة. وبالفعل؛ أدّى عبده موسى مع العديد من الفنانات الأردنيّات والعربيّات مجموعة من الحوارات الغنائيّة والثنائيّات التي ماتزال تتردد ويُعاد تسجيلها وتوزيعها حتى يومنا هذا. ومن تلك الأسماء التي أدت الثنائيات مع عبده موسى : سلوى، هيام يونس، غادة محمود، سهام شمّاس، وسهام الصفدي. ومن الثنائيات التي اشتهرت في ذلك الوقت وحتى يومنا هذا : يا طير يلي طاير، سافر يا حبيبي وارجع، جدّلي يا ام الجدايل، لاطلع ع راس الجبل، ردّي شاليشك.
  • الفترة الثالثة : توّج عبده موسى حياته الفنية بالتحاقه بفرقة الفنون الشعبية الأردنية في العام 1967، وأقام معها العديد من العروض الموسيقية داخل الأردن وخارجه، وكانت أولى حفلاته في العاصمة البريطانيّة لندن على مسرح “ألبرت هول” الشهير، وأصبح عبده موسى أول عازف ربابة يؤدي حفلاً مع الربابة على هذا المسرح، وتزامن حفله هناك مع حفلٍ للفنان المصري عبدالحليم حافظ الذي بادر إلى تقديم عبده موسى للجمهور بعبارات الإعجاب والثناء على موهبته ومكانته وشهرته. وبعد نجاح هذا الحفل التاريخي في لندن انهالت الدعوات من جهات مختلفة لكي يحيي عبده موسى فيها عروضًا موسيقيةً برفقة فرقة الفنون الشعبية الأردنية، فأقامت الفرقة جولات فنية متعددة شملت دولاً كثيرة منها : ألمانيا، رومانيا، تونس، المغرب، عُمان، البحرين، الإمارات، تركيا، العراق، سوريا، ولبنان.

الفنان عبده موسى، برفقة الفرقة الأردنية للفنون الشعبية، التقطت الصورة عام 1971. المصدر : موقع زمانكم

وقد نال الفنان عبده موسى خلال مشاركاته العديد من الجوائز والأوسمة التقديرية اعترافًا بفرادة موهبته وإعجاب الجماهير بهُويته الموسيقية الأردنية ومن هذه التكريمات :

  • جائزة أحسن عازف ومطرب على آلة الربابة / مهرجان المسيسبي في تونس عام 1971.
  • درع رابطة الفنانين الأردنيين عام 1989.
  • ميدالية الدولة التقديرية عام 1996.
  • مجموعة أخرى من الجوائز والشهادات التقديرية في العديد من المهرجانات العربية والدولية.

الملامح الفنية

امتازت أعمال الفنان الأردني عبده موسى بالملامح الفنية الطالعة من صُلب الإرث الموسيقي الأردني، في الألحان والإيقاعات وأسلوب الأداء، إلى جانب التأثير الصوتي لآلة الربابة المفرط في أردنيّته. كل هذه التفاصيل ساهمت بخلق طابع موسيقي خاص امتاز به عبده موسى دونًا عن غيره من المطربين الذين غنّوا أردنيًا. تتميّز معظم أغاني عبده موسى بأنها غير موزونة إيقاعيًا، أي أنها حرّة، وهو الأسلوب الأكثر شيوعًا في الأردن عند العزف على آلة الربابة، إلا أن الأغاني الموزونة والتي استخدم فيها عبده موسى الربابة بمرافقة الآلات الإيقاعيّة والميلوديّة الأخرى كانت ناجحة ومميزة وظهرت فيها الضغوط الإيقاعية المستوحاة من الإرث الموسيقي الأردني. كما أن الجمل اللحنية امتازت بالبساطة والخفّة التي تمكّن المستمعين من سرعة حفظها وإعادة ترديدها باعتبارها ذات نسقٍ شعبيٍّ وأغلبها من الألحان البدوية أو الريفية الأردنية. يُذكر أن الفنان عبده موسى قد قام بتسجيل مقطوعات موسيقيّة على آلة الربابة تفرّد فيها بأداء جملٍ موسيقيّةٍ معقّدة إذا ما قورنت بإمكانيات الربابة ذات الوتر الواحد.

مواقف وشهادات 

في العام 1973 تم تصوير الجزء الثاني من مسلسل صح النوم الشهير من بطولة الفنان السوري الكبير دريد لحّام، الذي  جاء بدوره إلى مقر الإذاعة الأردنية طالبًا لقاء الفنان عبده موسى، وكان دريد لحّام من المعجبين بعبده موسى وأغانيه، ونظرًا لانتشار أغنية “يا عنيّد يا يابا” في سوريا، والتي كان دريد لحّام يسمعها أينما تواجد في سوريا بحسب قوله، فقد قرر أن يستأذن عبده موسى لأداء هذه الأغنية في الجزء الثاني من المسلسل. ويصف دريد لحام عبده موسى حين التقى به بأنه كان ذا شخصيّة كريمة ومتواضعة ومتعاونة، وسرعان ما وافق على طلب لحّام، الذي بدوره أراد أن يقابل الطْيب بالطيب فدعاه ليكون ضيف شرفٍ على المسلسل الذي تم تصويره في الأردن.

تعرّض الفنان عبده موسى في مطلع السبعينيات لمحاولة اغتيال فاشلة على أيدي العصابات الإرهابية المتسببة في اضطرابات تلك الفترة، وذلك لأدائه الأغنيات الوطنية التي ساهمت في توحيد الشعور الجمعي المعادي للعمل والعناصر الإرهابية، وتأجيج الأحاسيس الوطنية المُحبّة للخير والعطاء والبناء، فلقد كان صوت عبده موسى ناطقًا ثقافيًا باسم الوجدان الشعبي الأردني العام ومرآة للنفس الأردنية التي تبني وتعمِّر وتحمي الوطن من الخراب والدمار.

كان تأثير عبده موسى في نشر الأغنية الأردنية طاغيًا، فقد أُعجِبَ الأخوين رحباني (عاصي ومنصور) بلحن موّال الشروقي الذي أداه عبده موسى والمشهور بمطلعه : يا مرحبا يا هلا منين الركب من وين. وقد أخذا الإذن من مدير الإذاعة آنذاك دولة الشهيد وصفي التل لاستخدام اللحن فأذن لهما، واستخدماه في بداية أغنية “قتّالة عيون الهوى قتّالة”.

يقول الفنان الأردني محمد وهيب أنه وعندما سافر عبده موسى مع فرقة الفنون الشعبية الأردنية إلى رومانيا، ضاقت قاعة المسرح بالتصفيق وهتافات الإعجاب والانبهار من الجمهور الروماني تقديرًا لأداء عبده موسى المميز على الآلة التي سحرت الجمهور هناك بوترها الواحد مع رنين صوت عبده موسى النقي والأنيق.

وفاته 

في العام 1977 كان الأردن يحيي الاحتفالات بمناسبة اليوبيل الفضي لعيد جلوس الملك الراحل الحسين بن طلال طيّب الله ثراه على العرش، ومن ضمن هذه الاحتفالات كان هناك برنامج جولات على كافة المحافظات للفنان عبده موسى يحيي خلاله السهرات الفنية بهذه المناسبة، وأولى هذه السهرات كانت في إربد، حيث نشأ وترعرع وبدأ مشواره الفني، وشاء القدر أن ينتهي مشواره الفني فيها أيضًا، فكانت تلك الحفلة المسائية التي من المفترض أنها أولى الحفلات في ضمن برنامج سيشمل جميع المحافظات، كانت هي الوداعية، في مسقط رأسه، فأحياها وأبدع في أداء الأغنيات التي ظل الجمهور يطالبه بإعادتها وتكرارها حتى ساعات الفجر من تلك الليلة، الأمر الذي تسبب بالإرهاق الشديد مما سهّل من الأعراض المرضية التي ظهرت بعد تلك الحفلة وظلت تتزايد حتى تم إدخاله إلى المستشفى لمعاينته، ليكتشف الأطباء سريعًا أنه يعاني من ذبحة صدرية تهدد حياته. وفارق عبده موسى جمهوره الذي أحبّه وحفظ أغانيه يوم 20 حزيران 1977 عن عمرٍ يناهز النصف قرن، وعشية عيد الموسيقى العالميّ، تاركًا وراءه إرثًا موسيقيًا كُتِبَ له السفر في وجدان الأردنيين جيلاً بعد جيل.

المراجع 

  • غوانمة، محمد، عبده موسى رائدًا ومبدعًا، دار الكندي، 2002.
  • موسى، حسين عبده، عبده موسى سيرة فنّان، وزارة الثقافة الأردنية، 2010.
  • الموسى، سليمان، أعلام من الأردن، المؤسسة الصحفية الاردنية، عمّان، 1993.