صورة للجزء الشرقي من العاصمة عمان ، تصوير : David Bjorgen

مقدمة

كانت عمان منذ القدم حاضنة بواكير التحضر والمجتمعات الإنسانية، فقد منح نهرها الأرض خصوبة تجعلها كنزاً طبيعياً، ذلك النهر الذي امتد من رأس العين مروراً بعين غزال، ليصب في نهر الزرقاء، فرسم خط التواجد الحضاري الزراعي للأردنيين الأوائل حول مجراه، وكما كانت أوديتها مفعمة بالحياة، كانت جبالها محطّ الأنظار منذ القدم، فترى عمان تتربع على عرشها العالي، والذي يتكون من 7 جبال تشكل جبال عمان السبعة، وتُطلق هذه التسمية على سلسلة التلال التي شكلت فيما مضى ما يعرف حالياً بشرق العاصمة عمان، والتي كانت أساس العاصمة حتى بداية ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأت العاصمة بالتوسع بشكل كبير نحو الغرب، وهذه الجبال هي: القصور، الجوفة، التاج، النزهة، النصر، النظيف، الأخضر.

أما بخصوص مناخ تلك المناطق، فيعتمد ذلك على إرتفاع المنطقة، إذ يبلغ مُعدل إرتفاع تلك الجبال قُرابة 825 متراً عن سطح البحر، وتمتد من إرتفاع 750 متراً وحتى 870 متراً. ويبلغ مُجموع الأمطار السنوي في تلك المناطق قرابة الـ375 ملم. أما مُعدل درجة الحرارة العظمى في شهر آب فيبلغ 31 مئوية وفي شهر كانون ثانٍ يبلغ 11 مئوية لنفس الإرتفاع. وفي وسط عمان يتربع الجبل الأخضر، كجارٍ للنهر يحمي منبعه، فيشكل مع بقية جبال عمان مزية مهمة لها ، تعطيها نوعاً من الحماية الطبيعية كما تؤثر في مناخها  لتجعله أكثر رطوبة واعتدالاً.

الموقع والخصائص الجغرافية

نشأت عمان على حافة الصحراء الأردنية في كلتقى ما بين الأخضر والأصفر ما بين الصحراء والسهل وفي رقعة انتقالية تربط بين الإقليمين، الصحراوي والمتوسطي شبه الرطب ، وفي الوقت الذي كانت فيه أودية عمان تمتاز بالخصب نتيجة مرور سيل عمان فيها، ونتيجة لكثرة العيون المائية، كانت جبال عمان دوماً يانعة وخضراء تتلقى نسبة من الهطولات المطرية العالية تساهم في خصوبتها، واعتدال مناخها.

وفي المنطقة الوسطى من عمان يقع الجبل الأخضر، ولعل اسمه يوحي بطبيعته الخصبة النابضة بالحياة ، وهو من أكثر جبال عمان ميلاً وانحداراً، ويصل ارتفاعه في أعلى مناطقه إلى  890 م، وهو يحاذي منطقة رأس العين التي كانت منبع نهر عمان أو ما يسمى بمية عمان، الأساس الذي قامت حوله نواة مدينة عمان الحديثة، التي توسعت لاحقاً واستقبلت المهاجرين الشراكسة.

منطقة الجبل الأخضر – خرائط جوجل

التقسيم الإداري

بدأت مدينة عمان الحديثة عام 1921 كمدينة صغيرة تقوم على الزراعة وتنتج كميات من الحبوب والخضراوات، لكنها توسعت بشكل سريع جداً عقب إعلانها عاصمة لإمارة شرق الأردن فبدأ السكان بالتوافد إليها من داخل الأردن وجواره، و كانت حينها تشتمل على مناطق القلعة واللويبدة وجبل عمان والأشرفية والجوفة، وشيئا فشيئا بدأت تحول نشاطها الأكبر من الزراعة إلى النشاط التجاري، واستمرت المدينة بالتوسع مع تدفق اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة، وكان التزايد في أعداد المهاجرين إلى عمان نتيجة الهجرة الاختيارية أو القسرية  يفرض التوسع في حدود المدينة فاتسعت حدودها الإدارية لتشمل بالإضافة إلى السفوح المطلة على الأودية، أعالي الجبال، ودخل الجبل الأخضر في حدود عمان في التوسعة الثالثة خلال الأعوام  (1959-1968)، أما في الوقت الحاضر فيتبع الجبل الأخضر في التقسيم الإداري لأمانة عمان لواء قصبة عمان، كحيّ من أحياء منطقة بدر التي يبلغ عدد سكانها حسب التعداد العام للسكان والمساكن لعام (2015) 229308 نسمة.

الكثافة السكانية

على الرغم من خصوبة التربة في الجبل الأخضر، ونسب الهطولات العالية وإن كانت غير منتظمة، وعلى الرغم من أنها بيئة ملائمة للزراعة، حال التوسع العمراني دون استغلال هذه الأرض بالزراعة، فتحول الجبل إلى منطقة سكنية ذات كثافة سكانية عالية، نظراً لقربه من وسط المدينة، الذي شكل بؤرة التوسع السكاني، إذ تتوافر معظم المرافق والخدمات و تنتشر الأسواق الشعبية التي يعمل فيها قطاع عريض من أبناء المجتمع وفئاته، ونظراً للكثافة السكانية فإن تنظيم المباني والسكن فيها يتبع للقطاعين (ج) و (د)، بيوت صغيرة المساحة، ومتقاربة بشكل كبير.

العمران

كانت بيوت الجبل الأخضر في بداية التوسع العماني إسمنتية بسيطة، ثم ازدادت أشكالها تعقيداً وتطوراً مع التوسع بعيداً عن مركز المدينة، وازداد بناؤها متانة وصار الحجر ومواد البناء الحديثة تدخل في بنائها، ولا يزال الجبل الأخضر محتفظاً بالإضافة إلى المباني الحديثة ببيوته القديمة، في بعض حاراته وأحيائه كحي العماوي، وكثير من هذه البيوت بحاجة إلى ترميم لاستدامتها، خصوصا أنها ما تزال مأهولة بأصحابها .

 وتتميز المنطقة المنحدرة من الجبل بأدراجها القديمة الطويلة التي تقطع مناطق مختلفة من الجبل هبوطاً إلى سفوحه، فتوفر وسيلة مناسبة للتنقل في المناطق المنحدرة بأمان حتى الوصول إلى مناطق عمان الأخرى، وتتفاوت هذه الأدراج في عمرها وشكلها ومواد بنائها، فمنها القديمة الخرسانية التي تعرضت لتأثيرات كثيرة بفعل عوامل  الزمن جعلتها بحاجة إلى الترميم، ومنها التي بنيت من الحجر لتكون قادرة على الصمود مدة أطول.

 ولهذه الأدراج قيمة عالية فهي تشهد لعمان بهويتها الجبلية، وفي هذه الأيام تحظى الأدراج القديمة بمحاولات للعناية بها وتجميلها من قبل أمانة عمان وبعض الشباب المبادرين، لتصبح مظهراً فنياً بالإضافة إلى كونها مظهراً تاريخياً، أدراج بقيت قائمة منذ عقود لتوثق نشأة عمان الحديثة وتوسعها وتطورها .

المراجع

صالح،حسن1980 : مدينة عمان دراسة جغرافية منشورات الجامعة الأردنية

موسى،سليمان 1985:عمان عاصمة الأردن ، منشورات أمانة عمان

 مجموعة مؤلفين ، واقع الزراعة الحضرية في مدينة عمان ، منشورات مؤسسة ruaf

http://alrai.com/article/10443242/محليات/أدراج-عمان-ارث-عريق-ومقصد-لاختصار-أزمات-وسط-البلد تم النشر في 8-7-2018

جبال عمان السبعة – الجبل الأخضر

مقدمة

من أعلى مشارف عمان، يطل  كتميمة قديمة تحرس الوادي، ذلك الجبل الذي حفظ آثار عصور كثيرة مرت وعهود طويلة من الحضارة، و شهد تحولات كثيرة، واحتضن الرجاءات لآلهة اتخذه مؤمنوها معبداً لهم، فكان جبل القلعة محضناً لآمال الأردنيين الأوائل فمن معبد ملكوم إلى هيكل هرقل، معابد تبنى على بقايا معابد، ومن الكنائس البيزنطية إلى المساجد الأموية، عصور من التاريخ الحافل لم يتوقف دفقها مطلقاً .

معبد هرقل -موقع رحلاتك

الموقع والتضاريس

يطل جبل القلعة، المسمى أيضاً بجبل الطهطور (الرجم)  على منتصف وادي عمان، تحيط به الأودية من جهاته الثلاث ويتصل بالهضبة (جبل الحسين) من الجانب الشمالي ، مما يكسبه حماية طبيعية، تجعل من الوصول إلى قمته أمراً شاقاً، ويحرك موازين القوة لتتركز في يد المقيم في الجبل، لذلك كان محط أنظار كثير من الشعوب والقوى التي حاولت التوسع على مر العصور.

عصور ما قبل التاريخ

شهد جبل القلعة تراكمات آثارية امتدت من عصور ما قبل التاريخ وصولاً إلى يومنا هذا، فقد عثر فيه على كهف عائد إلى العصر البرونزي يعتقد أنه كان يستخدم كمدفن آنذاك، ويحتوي على أكثر من قبر، كما تشير البقايا الأثرية إلى وجود مدينة عامرة في جبل القلعة في العصر الحديدي الأول، ما يزال جزء منها قائماً في الزاوية الشمالية الشرقية .

الأردنيون العمونيون في جبل القلعة

أقام الأردنيون العمونيون في عمان منذ سنة 1200 وحتى 332 ق.م، واتخذوها عاصمة لدولتهم وأطلقوا عليها اسم ربة عمون، التي وصفت في التوراة بأنها المدينة الملكية أي العاصمة، ومدينة المياه، نسبة إلى مياهها المتدفقة من العيون والسيل، وقد كانت المدينة مؤلفة من جزأين : المدينة السفلى وهي القائمة على ضفاف السيل، يمارس الناس فيها الرعي والزراعة والتجارة، والمدينة العليا: وهي القائمة على جبل القلعة، وترتفع نحو 130 متراً عن السيل، وتضم مقر الحاكم والقصور والمعابد ومساكن المواطنين، وقد احتوت على نظام لتخزين الماء في آبار وبرك محفورة في الأرض تصل بينها قنوات مائية تعتمد على مياه المطر وتستخدم احتياطاً في حالات الحصار، وتمكن الأردنيون العمونيون من ربط المدينة العليا بخارجها عن طريق ممرات سرية، ويذكر أن السلوقيين فشلوا في حصارهم لربة عمون حتى توصلوا عن طريق الأسرى إلى معرفة سر السرداب الذي يعتمد عليه أهل القلعة في توفير المياه، وقد كانت المدينة محصنة بأسوار عالية، وأبراج للمراقبة.

وأظهرت التنقيبات والحفريات وجود كثير من الآثار العمونية المهمة في جبل القلعة، ومن أبرزها قبر الملك العموني عمي ناداب، وكتابة تذكر بناء هيكل للإله العموني ملكوم، وعثر أيضاً على أربعة رؤوس حجرية متشابهة في الشكل والحجم يعتقد أنها كانت في أحد المعابد الدينية، وقد تمثل للعمونيين آلهة شبيهة بالآلهة عشتار التي عبدها السوريون القدماء، كآلهة للخصب والأمومة والشرف.

اليونانيون في جبل القلعة 

خضعت عمان للحكم اليوناني طيلة ثلاثة قرون (330-63 ق.م) وأعاد الملك بطليموس الثاني فيلادلفيوس إعادة إعمار ربة عمون وأطلق عليها اسم فيلادلفيا نسبة إليه، وتعني مدينة الحب الأخوي، وكانت إحدى مدن الديكابوليس العشرة التي تمتلك حكمها الذاتي وتسيطر على المناطق المجاورة لها.

وتعود بقايا الأسوار الموجودة حالياً في الشمال الغربي من جبل القلعة إلى العهد اليوناني، وترتفع حوالي 22 مدماكاً أي 22 صفاً أفقياً من الحجارة الكبيرة المستخدمة في البناء، حيث كان السور يمتد شمالاً نحو 50 متراً، وجنوباً نحو 100 متر، وقد أقيمت الأسوار من الناحية المتصلة بالهضبة لتأمين الحماية اللازمة لها .

الرومان في جبل القلعة 

شجع الرومان بناء وتعمير المدن التي اختصها اليونانيون باهتمامهم ومنها عمان، فبنوا فيها كثيراً من مرافقهم وتركوا كثيراً من الآثار في جبل القلعة، ومن أبرز هذه الآثار هيكل هرقل الذي صمم بطريقة مماثلة لطراز الهياكل الأخرى، التي تتميز بفخامة بنائها وعلوها الشاهق إذ كان الهيكل يمتد 22 متراً من الشرق إلى الغرب و52 متراً من الشمال إلى الجنوب  وكانت أروقته الخارجية تنتصب على صفين من الأعمدة طول كل عمود منها تسعة أمتار وقطره متر ونصف، وفوق هذه الأعمدة تيجان من الطراز الكورنثي، ينتصب إلى جانب الهيكل تمثال لهرقل وقد كلل رأسه بالغار ولفّ على عنقه جلد أسد ليظهر جبروته، ولا يقل طول هذا التمثال عن 30 قدماً، ففي الحفريات عثر على قطعتين من المرمر وفخذ إنسان ضخم يعتقد أنها تعود للتمثال، ويرى بعض الباحثين أن هذا الهيكل قائم على أنقاض هيكل أنشأه الأردنيون العمونيون لإلههم ملكوم .

ومن أهم الآثار التي عثر عليها في بعض التنقيبات  تمثال للآلهة تايكي حارسة عمان وحاميتها تحمل على رأسها مجسماً للقلعة، وتايكي هي آلهة الحظ السعيد والنجاح والازدهار عند الرومان  .

وعندما أصبحت الديانة المسيحية هي الرسمية للدولة الرومانية تحولت المعابد الوثنية إلى كنائس وإبراشيات ، وذلك ما حصل للمعبد الذي أنشئ في العصر الروماني للآلهة فينوس (الزهرة) وتحول فيما بعد إلى كنيسة العذراء ، وقد هدمته الزلازل عام 747 م .

الأمويون في جبل القلعة

  بعد قرون طويلة من تغيير اسمها استعادت عمان اسمها الأصيل الذي لم يغب عن قلوب الأردنيين الأوائل من سكانها .

وقد شهدت عمان ازدهاراً كبيراً في العصر الأموي ، إذ كان يؤمها كثير من الخلفاء، كما وجدت بيوت أموية كثيرة  في جبل القلعة شيدت من الطين والحجارة تحتوي على أدوات عديدة كالمباخر والقدور والقوارير والأباريق، وبعض النقود النحاسية .

ومن أبرز الآثار الأموية في جبل القلعة القصر الذي يحتوي ثلاث مناطق رئيسية، الأولى وهي المسماة  بالديوان العام، وهي فضاء واسع فيه حوض ماء كبير يؤدي إلى صالة استقبال أخذت حجارتها من مبانٍ رومانية قديمة، وزينت جدران الصالة الداخلية بزخارف ورسومات طغى عليها الطابع الإسلامي، تتوسطها قبة خشبية أو حجرية هدمت بفعل الزلازل، وجرى ترميمها حديثاً .

وفي المنطقة الأولى كان الوالي يستقبل ضيوفه المهمين وكبار الوزراء، أما المنطقتان الثانية والثالثة فتتوزع فيهما مبانٍ مختلفة لبيوت وقصور كان الوالي يقيم فيها مع عائلته، ويتصل بالقصر الأميري صالة العرش التي لا يدخلها سوى حاشية الوالي، وهناك حجرة أخرى بجوارها تتصل بباب صالة الاستقبال .

القصر الأموي في جبل القلعة – ويكيميديا

الأيوبيون في جبل القلعة

كانت عمان تحتل مكانة مهمة لدى الأيوبيين وكانت موطناً لتجمع الجيوش الأيوبية في معركة حطين خاصة، ومن آثارهم في جبل القلعة البرج الجنوبي وهو البرج الوحيد المتبقي من سور القلعة، وقد أعيد بناؤه في العصور من حجارة مختلفة النحت والشكل والوضع، ويبدو من هذا البرج مشهد المدينة السفلى، وخصوصاً المدرج الروماني .

حاضر جبل القلعة

ما تزال مكانة جبل القلعة حاضرة في وجدان الأردنيين، إذ إنهم لا يزالون يتطلعون إليه بوصفه قطعة عظيمة من تاريخهم، تحظى بأهمية خاصة، فنرى الروائي زياد قاسم يكتب رواية ” أبناء القلعة ” التي يظهر فيها تفاصيل حياة أهل الجبل مضفياً عليها نوعاً من الارتباط العميق بالمكان، كما نرى أن مدفع الإفطار الرمضاني ما يزال يطلق من أعلى قمة في جبل القلعة ، ليعيد مع صداه حكاية سلسلة من التتابع الحضاري العظيم .

المصادر والمراجع

الصفدي ، علي (2006) ، درج فرعون الشاهد التاريخي سيرة عمان في الخمسينيات ، مطابع الدستور

العابدي ،محمود (2002) ، عمان ماضيها وحاضرها ، منشورات أمانة عمان

أبو عريضة، محمد (2013) ، أسرار عمان تحقيقات في ذاكرة المدينة ، فضاءات للنشر

غوانمة ، يوسف (2002) ، عمان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية ، دار الفكر

الكردي ، محمد (1999) ، عمان تاريخ حضارة وآثار المدينة والمحافظة ، دار عمار للنشر

الموسى ، سليمان (2010 ) ، عمان عاصمة الأردن ، منشورات أمانة عمان

جبل القلعة

جبل طرون كما يبدو من أحد بيوت ساكب

مقدمة

بخضرته الآسرة يطل جبل طرون من بين القمم المتجاورة لسلسلة جبال عجلون، يحتضن ساكب الجميلة ويرعى بعينيه ريمون الخضراء، يختصر الربيع في غصن سنديانة واثقة صادقت مهبّ الريح فلم تعد تخشى شيئاً، هكذا هي أشجار طرون، فكيف بحجارته العتيقة، خذ حظك من النظر، وثق أن هذا الجمال لن ينقص.

الموقع والتسمية  

يقع جبل طرون في جرش مقابل بلدة ساكب، التي تنتشر كثير من بيوتها على سفحه باطمئنان، ويصل ارتفاع هذا الجبل إلى 1117 م، ويطل على عدة جبال قريبة كجبل الأقرع من جهة وأم الدرج من جهة أخرى، ومن قمته المشرفة ترى كثيرا من التجمعات السكانية كالكثة والقرمية وغيرها من بلدات جرش، الجبل ذو طبيعة حرجية تنتشر فيها أشجار معمرة متنوعة، وفي سفحه تقع عين ماء عيصرة، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى أحد الشيوخ الزهّاد واسمه طرون وله مسجد باسمه في المنطقة.

أشجار اللزاب في جبل طرون

البيئة والتنوع النباتي 

يشكل جبل طرون بأشجاره محمية طبيعية بغطاء كثيف من الأشجار الأصيلة التي تعتبر جزء من الإرث البيئية، وأكثر هذه الأشجار انتشاراً هو السنديان ومعظمه من الأشجار المعمرة القديمة، كما ينتشر في الجبل شجر القيقب المعروف لدى السكان باسم (عنب البوبو) لتشابه شكل ثمره الأخضر مع قطوف العنب، وتنتشر فيه أنواع كثير من الصنوبريات أشهرها وأكثرها عرضة للخطر اللزاب، فهو من الصنوبريات غضة الفروع سهلة القطع التي لا تنمو فروعها بعد القطع، ونرى في عدة أماكن أشجاراً عالية ومعمرة من الصنوبريات، كما تنتشر أصناف كثيرة من الشجيرات الشوكية الصغيرة.

وفي سبيل المحافظة على كنز طرون البيئي، لم تشقّ في الجبل أي طريق معبدة تساعد في وصول المركبات إلى قمته، وهذا يقلل من خطر التحطيب الجائر الذي تتعرض له الأحراش، ولكن لمنع حوادث الحرق واشتعال الأحراش التي تكثر في الصيف، تم شق طريق بسيط غير معبد يساعد على وصول فرق الإطفاء وتقليل خسائر الحرائق وإيقاف انتشارها.

الحشائش النامية في المساحات الفارغة نتيجة للحرائق في طرون

خربة طرون

في قمة الجبل منطقة تمتاز برجومها الحجرية، ويظهر فيها آثار لحفريات أجريت في وقت ما، وهذه الحجارة تعود إلى مقام بني على قمة الجبل للشيخ الزاهد طرون، ولا تزال موجودة هناك، وقد تعرض بعضها للطمر من جديد.

بقايا حجرية من خربة طرون

خاتمة

جبل طرون ورغم تعرضه لكثير من الأحداث الطبيعية والاعتداءات البشرية التي قللت من كثافته الشجرية، إلا أنه لا يزال جنة خضراء تستحق الجهد في الوصول إلى قمته، وتستحق اهتماما أكبر بالتعريف به، فهو ثروة بيئية وسياحية لا تقدر بثمن، كما تعتبر الأشجار الموجودة في الجبل من الأشجار ذات الأهمية على صعيد الحفاظ على الإرث الشجري.

 

المصادر والمراجع

العدوان، مفلح(2008)، بوح القرى، ج2، مركز الرأي للدراسات

حريق غابة طرون – جريدة الدستور– تم النشر في 17-9-2003 تم الاطلاع عليه في 21-8-2019

زيارة ميدانية

 

جبل طرون

مقدمة

تستلقي على مدّ البصر بثيابها السوداء التي تفيض سؤدداً ومجداً، تلك البادية التي كانت حاضنة للتاريخ، وكتاباً اسودّت صفحاته بنقوشات تركها أجدادنا الأردنيون كعلامات تهدينا إليهم، وحجارة حفظت الأمانة فخبأت نقوشاتهم حتى وصلتنا رسائلهم الساحرة بخطوط قديمة رغم أننا لم نعتدها، إلا أنها حقا تشبهنا، في الحرّة الأردنية لا تدع سحر المنظر يأخذك بعيدا عن سحر الحضارة التي حفظتها في نقوشها ورسوماتها، ارفع بصرك عن حجارتها السوداء لتلتقي عيناك جبل قرمة، الذي احتضن ما يزيد على 5000 نقش قديم محمّل برسائل أجدادنا الأردنيين.

الموقع والتسمية

يقع جبل قرمة على بعد 30 كم شرق مدينة الأزرق في حرة راجب، والحرة هي صخور بازلتية سوداء قديمة جداً، تكونت نتيجة نشاط بركاني في المنطقة، وعدة اندفاعات بركانية، وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن المنطقة تشكلت إثر ستة اندفاعات جيولوجية، كونت في أحد أطوارها معظم الصخور البازلتية في شرق الأردن، باندفاع بازلتي يبلغ سمكه 25 متراً أو أكثر، ويرجع إلى الفترة ما بين الميوسين – البلايستوسين.

وترجع تسمية جبل قرمة إلى شبهه بقرمية الحطب، أي الحطب الثخين الذي يستخدم للتدفئة، ولأنه يظهر من مسافات بعيدة، ثم عمم ذلك ليطلق على جميع الجبال المحيطة به فسميت جبال قرمة.

جبل قرمة والحرة الأردنية – مشروع جبل قرمة

البيئة والمناخ

يمتاز مناخ الحرة الأردنية وجبل قرمة، بأنه جافّ بنسبة هطول قليلة جدا، ولكن الطبيعة البازلتية للمنطقة تحولها إلى مخازن جوفية ممتازة للمياه، فتنبثق حول جبل قرمة العيون المائية في الوادي المجاور له، وادي راجل الذي يمتاز بعمقه ويحتوي كثيرا من الغدران التي كانت تحفظ المياه من فصل الشتاء لغاية الفصل الثاني من العام.

تشير كثير من الدراسات الآثارية إلى أن منطقة الحرة الأردنية كانت منطقة خصبة، مليئة بالتنوعات الحيوانية والنباتية وهذا يدل على أن أجدادنا الأردنيين القدماء تمكنوا من استغلال الصحراء بمناخها القاسي، وتحويلها إلى بيئة منتجة.

ورغم المناخ السائد وطبقة الصخور البازلتية التي تغطي أرض الحرة، إلا أنها تحتوي على كثير من الأعشاب العطرية والرعوية والنباتات البرية التي تمتاز بفوائدها العلاجية كالحنظل والكراث والمحروت (الجزر البري) والبابونج والجعدة والصبر والخبيزة.

مقابر حجرية قديمة

اكتشفت المسوحات الأثرية التي أجريت ضمن “مشروع المناطق الأثرية في جبل قرمة” مقابر حجرية يرجع تاريخها إلى أكثر من 4000 عام، وهي حوالي 50 مجموعة من الركام الصخري والمدافن، التي تشير بشكل واضح إلى أن المنطقة كانت مأهولة بالسكان قديما، وإن كانت وعورتها حالياً لا تسمح لأعداد كثيرة من السكان بالاستقرار فيها.

تغطى كثير من المقابر بأكوام من الحجارة تدعي “كيرنز”، وتظهر في المواقع المجاورة للجبل بعض المقابر البرجية التي كان يعتقد في البداية أنها تدل على المكانة العالية، لكن كثرتها وانتشارها ينفي هذه الفرضية، ويلاحظ أن بعض القبور قد بنيت بحجارة تزن أكثر من 300 كلغ، يعتقد أنها عائدة في تاريخها إلى أواخر الألفية الأولى قبل الميلاد.

مقابر حجرية – غدي نيوز

النقوش الصفوية

من أثمن الكشوفات الأثرية وأكثرها قيمة اكتشاف النقوش الصفوية، وهي نقوش قديمة ترجع إلى أحد فروع اللغة العربية الشمالية القديمة التي تشير الدراسات انها كتبت بنسخة متأخرة من الخط النبطي ويرجح أن تكون تطورت عن النطبية، وتنتشر هذه النقوش في البادية الشمالية الأردنية بكثرة كون معظمها يعود لفترة الأردنيين الغساسنة، وتقدم معطيات وملامح حضارتهم، وتسمى بالكتابات الصفوية نسبة إلى منطقة الصفا وهي منطقة تمتد من البادية الشمالية الأردنية إلى حوران الأردنية وصولاًُ لدمشق التي كانت لفترات متقطعة جزء من امتداد الممالك والحضارات الأردنية القديمة.

وقد بدأ الاهتمام بهذه النقوش منذ عام 1858 حيث لفت الرحالة البريطاني جراهام الأنظار إلى بعض النقوش التي نسخها ونشرها في كتابه الذي يصف فيه رحلته، وتتابعت الرحلات الاستكشافية بعدها، وبدأت العملية الاستكشافية تصبح أكثر تنظيما في ثمانينات القرن الماضي، حتى وصل عدد النقوش المكتشفة في جبل قرمة حتى الآن إلى ما يقارب 5000 نقش.

تتضمن معظم هذه النقوش وصف يوميات الأردنيين القدماء في تلك المنطقة، كما أن هناك بعض الرسومات لحيوانات أليفة كثيرة كالغزلان والخيول، وفي ذلك إشارة إلى الكائنات التي كانت تعيش في البادية الشمالية قديما، وتحتوي هذه النقوشات على ذكر لكثير من الأعلام التي لا يزال الأردنيون يتسمون بها حتى الآن دون وعي لانتقال هذه الأسماء إلينا عبر تراكمية متوارثة من أجدادنا الأوائل.

وتضعنا هذه النقوش أمام مسارات جديدة وتحولات كبيرة في المعرفة المتوارثة التي تفيد بأن اللغة العربية قد بدأت وانتشرت من الحجاز، فنرى النقوش الصفوية غيرت هذه الوجهة فأعادت أصل اللغة العربية إلى القرن الرابع أو الثاني قبل الميلاد، كما أرجعت أصلها المكاني إلى البادية الشمالية الأردنية التي كانت منطلق اللغة إلى الحجاز وشبه الجزيرة العربية.

نقوشات صفوية – مشروع جبل قرمة

خاتمة

ما تزال البادية الشمالية الأردنية تفيض بنقوشها ورسوماتها التي تحمل الكثير من الحقائق الغائبة والمجهولة لمدة طويلة، وما يزال الأردنيون يمتلكون كنزاً مكوناً من آلاف النقوش التي احتضنها جبل قرمة، بإمكانها أن تغير تصور العالم عن الماضي، وأن ترسم بالتأكيد شكلاً آخر مشرقاً للمستقبل الأردني.

المصادر والمراجع

 حسن، يحيى (1987): كتابات صفوية في جبل قرمة، دراسات المجلد 14 العدد 10، الجامعة الأردنية

الروسان، عاطف (2007): الحرة الأردنية الصفاوي، وزارة الثقافة

عابد، عبد القادر (2000): جيولوجية الأردن وبيئته ومناخه، منشورات نقابة الجيولوجيين الأردنيين.

بحث إرث الأردن : من النبطية إلى العربية

غدي نيوز  اكتشاف مقابر حجرية أثرية  تم نشره في 16 تموز 2017 تم الاطلاع عليه في 3 آب 2019  

جبل قرمة

مقدمة

من بين أشجار الزيتون المعمرة، والسنديانات العتيقة المتراصة كتفاً إلى كتف كما كان الأردنيون دوماً، تطل جبال الشمال كراية شامخة، تقف في وجه الريح بلا وجل، جبال كانت على مرّ العصور حصناً منيعاً لمن لاذ بها، ومنطلقاً للأردنيين المدافعين عن أرضهم في كل حين، ومن سوف الجرشية يخطف جبل المنارة بصر الناظرين بعلوّه وخضرته وربيعه الأبدي الذي تضفيه عليه أشجار الزيتون، فتجعله أسطورة من الجمال الساحر.

جبل المنارة – صورة من صحيفة الدستور

الموقع والتسمية

يقع جبل المنارة في جرش وتقوم على سفحه مدينة سوف العريقة، وهو من أعلى جبال المنطقة إذ يتراوح ارتفاعه ما بين 1184 و1230 م، ويروى أن تسميته جاءت من ارتفاعه الشاهق الذي كان الأردنيون السوفيون يستفيدون منه، فيوقدون النار على قمته، إعلاما لأهالي دمشق وحوران والضفة الغربية ببدء موسم العنب والزبيب والقطين، تلك المحاصيل التي كانت سوف تنتجها بوفرة، بالإضافة إلى الزيتون واللوزيات.

البيئة والمناخ

يتمتع جبل المنارة بمناخ البحر الأبيض المتوسط، الذي يكون ماطراً شتاء بنسب عالية للمطر تؤدي إلى اعتماد السكان في كثير من الأحيان على الزراعة البعلية في المناطق العالية من الجبل تحديداً، ويكون المناخ جافاً صيفاً ولكن وجود الأشجار وانتشار الأحراش في الجبل تخفف من حدة هذا الجفاف.

ويعد جبل المنارة من المناطق الخضراء التي تتميز بتنوع بيئي هائل، فتنتشر فيه الغابات وأشجار السنديان والقيقب والصنوبريات بأنواعها، مما يجعله موئلاً لعدد كبير من الطيور التي تبني في أحراشه أعشاشها.

بلدة سوف

تتربع بلدة سوف على سفح جبل المنارة، ويتضح من الاطلاع على تاريخها أنها بلدة قديمة يعود تاريخ بنائها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، إذ نجد فيها خربة قديمة تسمى خربة سوف، تعود في آثارها إلى العهدين اليوناني والروماني، وفيها آثار أرضيات فسيفسائية، وآثار كنيسة عليها نقوش دينية، تم تحويلها إلى مسجد في عهد عمر بن عبد العزيز كما هو موضح في الكتابات الموجودة هناك.

ومن الطبيعي وجود مثل هذه الآثار في منطقة سوف، فهي منطقة جاذبة بطبيعتها، تحوي الكثير من الينابيع والعيون كعين الفوار وعين القرفة وعين المغاسل التي كان الأردنيون السوفيون يغسلون عندها أصواف الأغنام.

محمية المأوى

تعلو محمية المأوى قمة جبل المنارة وقد انطلق مركزها في 2010 ثم توسعت شيئا فشيئاً، وهي المحمية الأولى من نوعها في الشرق الأوسط التي توفر العناية للحيوانات التي تعيش ظروفاً صعبة، وتحاول هذه المحمية إعادة الحياة البرية إلى طبيعتها، فهي تؤوي كافة الحيوانات البرية التي يتم صيدها أو العثور عليها من قبل الصيادين ومنها الضباع والسباع وأنواع الثعالب البرية، كما ترعى الحيوانات المهددة في بعض البلاد المجاورة التي تعيش حالة من الصراع والحروب، وتضم  المحمية سبعة عشر أسدا ونمرين وأربعة دببة تم جلب بعضها من بلدان مجاورة، وضبط بعضها في محاولات تهريب وتجارة غير مشروعة، وتشكل المحمية بيئة مناسبة لحياة هذه الكائنات إذ يعتقد أنها كانت تعيش في هذه المناطق قديما.

أسد في محمية المأوى -الرأي

  المصادر والمراجع

البحيري، صلاح الدين (1998)، الأردن: دراسة جغرافية، ط2، منشورات لجنة تاريخ الأردن

حتاملة، محمد (2010)، موسوعة الديار الأردنية ج2

الزقرطي، إبراهيم (2004)، موسوعة محافظة جرش، منشور بدعم وزارة التخطيط

العدوان، مفلح(2008 )، بوح القرى، ج2، مركز الرأي للدراسات

جبل المنارة في جرش نشر في 1 نيسان 2016 ، تم الاطلاع عليه في 30 تموز 2019

محمية المأوى نشر في 12 إبريل 2019 تم الاطلاع عليه في 30 تموز 2019

 

جبل المنارة

تمثال أردني نبطي من الفضة يمثل رجل و طفل يركبان جملاً ترميزاً لأهمية الجمل للاقتصاد و التجارة النبطية
يعود التمثال إلى القرن الأول ميلادية وموجود في متحف المتروبوليتان للفنون – الولايات المتحدة

مقدمة

إن دراسة الملابس والمجوهرات والحلي لأي حضارة أمر بالغ الأهمية من حيث تحليل طبيعة معاشهم، إذ أن في طريقة تصميم الملابس دليلاً على على ممارساتها اليومية، من حيث ملائمة الزي  لطبيعة النشاطات التي يقوم بها الأفراد حسب موقعهم من المجتمع، كما أن طبيعة التصميم بالإضافة إلى الخامات التي تنتج منها الملابس، توضح الظرف البيئي لهذه الحضارة بالإضافة إلى علاقاتها التجارية من حيث مصدر الخامات المستخدمة وغير الموجودة في بيئتها الأصلية.
فيما تكمن أهمية دراسة وتحليل الحلي والمجوهرات في معرفة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في حضارة معينة، ودرجة الرفاهية التي وصل إليها هذا المجتمع، كما تدل صناعة المجوهرات على مدى حرفية واتقان الصاغة لمهنتهم إذا ما تم التأكد من أنها مصنوعة محلياً.

في بحثنا هذا سنحاول الوصول إلى أقرب تصور ممكن لنمط الأزياء والزينة لدى أجدادنا الأردنيين الأنباط، عبر توظيف جميع ما يمكن الوصول إليه من معلومات حول (الملابس، الحلي، العطور، وتصفيف الشعر) آخذين بعين الاعتبار شح المادة التاريخية الدارسة لطبيعة لباسهم، وخصوصاً لباس العامة من أجدادنا الأردنيين الأنباط، على أن طبيعة المجتمع الأردني النبطي كانت تشاركية والفروق فيها بين الطبقات ضحلة، حيث أن الملك كان يخدم ضيوفه ويقريهم بنفسه.

مصادر الاستدلال على الملابس والحلي الأردنية النبطية ووصفها

أولا: المنحوتات والتماثيل النبطية

إن أحد أهم المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في تحليل طبيعة اللباس لدى أجدادنا الأردنيين الأنباط هي التماثيل والمنحوتات البشرية التي خلفوها، وإن كانت تمثل الآلهة في أغلب الأحيان إلا أن صور الآلهة في الحضارات القديمة كانت مستمدة من الواقع، وفيما يلي توضيح لأهم التماثيل والمنحوتات التي حافظت على أجزاء واضحة من الملابس.

  1. منحوتة صخرية من داخل السيق في البتراء، تمثل لنا تاجرين (يقودان الجمال) بوضعية الوقوف يظهر إلى جانبهما أقدام الجمال، بالنسبة للباس الرجال فيبدو أنهما يرتديان ما يشبه الإزار الذي يبدأ من الخصر ويصل إلى أعلى القدم، وقد تم لف القماش بشكل متقاطع بحيث تظهر القطعة المهدّبة أسفل القطعة التي لم تهدّب، كما ينسدل على كتفيه ما يشبه العباءة التي تلامس الأرض، وتبدو الثنيات واضحة، أما بخصوص الحذاء، فقد ارتدوا أحذية جلدية خفيفة، تتكون من قطعة تفصل بين الأصبع الكبير والمجاور له، يتصل بها قطعة أخرى على شكل حرف V   تلتف حول القدم وتتقاطع مع قطعة أخرى بهدف تثبيتها بالقدم، ومن الملاحظ لدينا أنهم استخدموا هذا اللباس الفضفاض ليسهل عملية الحركة عليهم عند الركوب على الجمال والحركة بيسر وسهولة.
  2. منحوتة صخرية من منطقة الدير في البتراء، تظهر لنا جمّالان مضحيان (أي  يقودا الجمال ليقدموها كقرابين للآلهة)، المنحوتة للأسف بحالة سيئة بسبب العوامل الطبيعية، إلا أنه بالإمكان رؤية بقايا تفيدنا في معرفة شكل لباسهم، حيث يبدو أنهما يرتديان لباساً طويلاً وقد تم لفه حول الساقين ليظهر لنا بمظهر (شاقولي – مزمزم).
    وبالنسبة لطريقة لفه فهي تتم عن طريق وضع قطعة القماش من الخلف إلى الأمام ثم يبدأ مرتديها بوضع جزء من القماشة بشكل متقاطع مع الجزء الآخر، وبعدها يتم التثبيت بواسطة ربط الحزام حول الخصر ليكون الشكل فيه ثنيات وزمّات.
    أما عن طبيعة اللباس العلوي فلسوء الحظ لم يظهر من المنحوتات أي شيء نستدل به عنه.
  3. تمثال للنصف العلوي من جسد لرجل، مفقود منه الرأس وباقي الأيدي والجسد السفلي كاملاُ  شعره يصل لكتفيه وينسدل حتى بداية صدره، ويبدو أنه يضع سوارين عريضين على كلتا يديه، كما أنه يرتدي قطعة قماش مهدبة استكمالاً لرداءه الممتد من الأسفل ويمر بكتفه الأيسر ويظهر أنه يضع حمالة شكلها متقاطع مع الحزام وهي عادة ما تستخدم لحمل الأسلحة، وأخيراً يرتدي على الخصر حزام عريض جداً.                                                                                                                              
  4. تمثال نصفي يبين لنا النصف العلوي، الرأس مفقود، يظهر صدر الآلهة أو الإنسان النبطي الذي جسد بهذا التمثال عاري الكتف الأيمن ويضع شريط ثلاثي عريض ومزخرف بحبيبات صغيرة، يعتقد أنه استكمالٌ للجزء الأمامي من حمالة السيف أو الرمح، ويضع سواراً بالذراع الأيمن والأيسر، كما أنه يرتدي قطعة مزخرفة الأطراف.                                                                                                                                  
  5. جزء من منحوتة تمثل لنا رداءً حربياً، يشبه الإزار لكنه قصيرٌ جداً وهو مقسم إلى ثلاثة صفوف متوازية بشكل عرضي ويظهر عليه كسرات طولية، ويوجد عليه حزام عريض ومهدب يبدو أنه عقد من الأمام.
  6. تمثال النصف الأعلى لجسم محارب يرتدي لباساً حربياً مكوناً من وشاح ذو ثنيات على الصدر ويمسكها مشبك مثبت على الكتف الأيمن، ويمكننا مشاهدة خوذة حربية مزخرفة بأشكال نباتية وحلزونية.
  7. الجزء الاسفل لمنحوتة آدمية ثلاثية الأبعاد، ترتدي ما يشبه الإزار بثنيات عديدة ويتدلى من الوسط قطعة قماش مستطيلة ومستقيمة قد تكون حزاماً يتدلى من الإمام.
  8. تمثال نصفي علوي، يضع إكليلا على الرأس، والشعر طويل ومصفف يصل إلى أسفل الأذنين، يبدو أنه يمسك باليد اليسرى رمحاً أو صولجاناً واليد الأخرى تلوح.
    يرتدي من الأعلى قطعة قماش تغطي جزء من الكتف والصدر والباقي مكشوف وهو امتداد للإزار الواصل من الأسفل للأعلى.

    تمثال نصفي علوي

     

  1. تمثال ملكي، مفقود منه الجزء العلوي كاملاً وأسفل الساقين. يظهر وهو يرتدي إزاراً مهدباً، ويبدو هنا أنه قطعة قماش مستطيلة وضعت بشكل مستقيم بحيث لم تظهر كما في اللوحات السابقة التي كان الإزار مشقولا فيها، بل اكتفى بلفه لفاً عادياً ليخرج بمنظر بسيط مائل للطرف الأيسر، وأخيراَ قام بلف حزام مزدوج (على شكل حبل) حول الإزار لغايات التثبيت، وتظهر ركبتي الرجل من أسفل الإزار وربما أنه يضع شيئا ما معدنيا أو جلدياً لوقاية الركبتين عند الوقوع في حالة الحرب والمبارزة.
    تمثال ملكي، مفقود منه الجزء العلوي

     

10.تمثال ملكي، محطم الوجه وجزء من الأيدي والأرجل أيضا محطم بالكامل ولم يبق منها سوى الركبتين، الهيئة العامة للتمثال لا بأس بها، حيث يظهر من الرأس الشعر الطويل والذي ينسدل على الظهر من الخلف، تفاصيل عضلات الصدر واضحة، يبدو أنه يضع سواراً عند مفصل يده اليسرى، أما عن لباسه فهو يرتدي ازاراً يصل لحد الركبة، طرفه مقصوص بشكل مائل، كما أنه يضع حزاماً مزدوجا معقود على جانبه الأيسر.

تمثال ملكي، محطم الوجه

 

11.تمثال بشري يقف على قاعدة، الرأس  وجزء من يده اليسرى محطمة، تفاصيل جسده واضحة تماماً خاصة منطقة الصدر يبدو أنه يضع سواراً رفيعا عند مفصل يده اليسرى، يرتدي  إزاراً قصيراً يصل للركبة معالمه غير واضحة، كما أنه يضع حزاماً مزدوجاً ورفيعاً مثبتاً على خصره ومعقوداً بحيث يتدلى طرفاه إلى لأسفل، كما يتدلى من وسط الحزام قطعة نصف دائرية كنوع من الزينة ولتثبيت الإزار،  قدماه مثبتتان على قاعدة، وينتعل بهما حذاءاً خفيفاً له قاعدة رفيعة من الجلد وهو مكون من شريط أمامي وشريط آخر يمر بين إصبعيه الأماميان ويتعامد الشريطان معاً، أما الشريط المار بين الإصبعين فيلتف حول الساق ومثبت بإبزيم.

تمثال بشري يقف على قاعدة

 

  1. تمثال شبه كامل عدا الرأس وجزء من الأيدي والأقدام، تفاصيل الصدر واضحة وهو مكشوف وعاري، كما أنه يلبس سواراُ رفيعا على الذراع الأيمن، ويرتدي إزارا يصل للركبة مربوط عليه حزام مزدوج ومعقود من الجنب الأيمن.
    تمثال شبه كامل عدا الرأس

     

  2. تمثال مهشم ومحطم، مفقود منه الرأس والأرجل وجزء من الأيدي، يرتدي سواراُ رفيعاً وإزاراُ قصيراً جداً يحيطه حزام مزدوج.
    تمثال مهشم ومحطم

     

  3. مجسم ذكري، الملامح غير واقعية، الجسد عاري من الأعلى، يضع عقد حول الرقبة ويرتدي إزاراً من الخصر ويصل إلى أعلى الركبتين، يضع حزاماً رفيعاً تتدلى منه قطعة مستديرة  تعمل على تثبيت فتحة الإزار أو جيب لحمل السيف.
    مجسم ذكري بملامح غير طبيعية

     

  4. مجسم دون أيدي أو أقدام، الملامح غير واقعية، يرتدي عقد ويضع حزام مزدوج على الصدر ربما للسيف أو لأدواته الحربية، كما أنه يرتدي إزاراً عليه حزام ويتوسطه دلاية.
    مجسم دون أيدي أو أقدام

     

  5. تمثال بشري، محطم الرأس والأقدام، الجسد العلوي عاري تماما، كما أن تفاصيل عضلات الجسد قد نحتت بوضوح حيث ظهرت طيات البطن، ومن الأسفل فهو يرتدي إزاراُ مزموماً يلتف حول الجسد ويربط من الأمام بحيث تتدلى منه قطعتين مثلثتين متعاكستين بالاتجاه ومرتبتين بشكل أنيق، ثم يضع عليه حزاما جلدياً ينتهي بقطع معدنية بهدف التثبيت كي لا تكشف العورة عند الحركة، ويظهر جزء من الكف يمسك بالحزام.
  6. تمثال محطم  الرأس والذراع والساق اليمنى وهو عاري الصدر تماما ويرتدي إزاراً من الأسفل ويتدلى منه قطعة نصف دائرية، ويلتف حول خصره حزام ربما أنه جلدي ملفوف وليس معقود.
    مجسم عاري الصدر

     

  7. رأس من تمثال ذكري ذو ثلاثة أبعاد، الوجه ممتليء، وملامح الوجه غير واضحة لكن يبدو أنه صاحب لحية ذات شعر أجعد (رجل دين)، كما أنه يرتدي قلنسوة مخروطية ومدببة.
    رأس تمثال لرجل يرتدي قلنسوة

     

  8. رأس من منحوتة ذكرية مواصفاته لا تختلف عن التمثال السابق إلا أن ملامحه واضحة بشكل أفضل وله نفس الشعر وتصفيفته كما أنه يرتدي نفس غطاء الرأس (كرمز رجل الدين) عند الأنباط.
    تمثال رأس واضح المعالم

     

  9. رجل دين يرتدي قلنسوة على رأسه يظهر شعره من أسفلها بشكل أجعد، وهو مرتب بصفوف، أما الإزار فهو مشدود بحزام على الخصر، يقف ويضع كلتا يديه على وجهه (خده)، يبدو أنه، ينتعل حذاء بلون أحمر.
    تمثال لرجل دين أردني نبطي يرتدي قلنسوة

     

  10. تمثال رأس محطم، تظهر منه الأعين وفتحتي الانف، وأطراف الشعر المصفف على شكل حلقات حلزونية مرتبة بشكل دقيق.
    تمثال رأس محطم

     

  11. رأس لملك نبطي، الجسد محطم، الشعر ملفوف على شكل حلقات دائرية ملتصقة ببعضها البعض ويصل أعلى الكتفين، يضع إكليلا مزدوجا من ورق الغار على رأسه وبمقدمة الجبهة يضع ما يشبه الحجر الكريم، ويبدو أنه يضع قلادة معدنية حول رقبته.
    رأس ملك أردني نبطي

     

  12. رأس لرجل نبطي واضح الملامح يُرجح أنه يعود للملك عبادة الأول، وبالنسبة لشعره فمن الواضح أنه ملفوف بشكل مبروم حلزوني طويل صفف بشكل جميل، أما عن العصبة فهي رفيعة جدا تتوج رأسه كرمز للملوكية.
    رأس رجل نبطي

     

  13. تمثال لم يعثر منه إلا على الجذع، حالته العامة متوسطة مفقود منه الجزء العلوي، والأقدام حالتها سيئة، يبدو أنه تمثال لرجل يرتدي في الجزء الأسفل ما يشبه الإزار حيث يتم لف القماشة بشكل متقاطع وملاقاة أطرافها عند الخصر الأيمن.
  14.  رأس لملك نبطي، الجسد محطم، الشعر ملفوف على شكل حلقات دائرية ملتصقة ببعضها البعض ويصل حتى أعلى الكتفين، يضع إكليلا مزدوجا من ورق الغار على رأسه وبمقدمة الجبهة يضع ما يشبه الحجر الكريم، ويبدو أنه يضع قلادة معدنية حول رقبته.

    رأس ملك نبطي
منحوتة نبطية نصفية لرجل، توضح الرداء الذي كان يغطي الكتفين

ثانيا: المجسمات الطينية والفخارية

عثر عبر الحفريات الأثرية في المواقع العائدة للمملكة الأردنية النبطية على بعض المجسمات الطينية والفخارية والتي تصف جزءاً من طبيعة اللباس لدى الأردنيين الأنباط، حيث ساهمت في محاولة إكمال التصور حول المظهر الخارجي والزينة لدى أجدادنا الأردنيين الأنباط.

1. جذع نصفي أمامي مفقود منه الرأس والأرجل، يرتدي عباءة وهي عبارة عن قطعة قماش مستطيلة يوجد أهداب على حوافها، مصنوعة من الصوف أو القطن وتلبس عن طريق وضع إحدى أطرافها على الجهة اليسرى من الجسم ويلف باقي القماش حول الظهر ثم يمر تحت الذراع اليمنى ويلف مرة أخرى من الأمام ويُلقى الطرف الآخر منها على الذراع اليمنى، هنا يبدو أن العباءة قد لفت حول الجسد وهي تغطي الحوض باستثناء الكتف الأيسر حتى الخصر وتظهر الأهداب على الحواف، أما الحزام فهو عبارة عن شريطين مزخرفين يتدليان على البطن ويبدو أنهما معقودين من الأمام، الذراع اليسرى ظهرت ملتصقة بالجسد وهي تمسك بالعصا، أما اليد اليمنى فيبدو أنها استندت على دعامة  مزخرفة.

جذع نصفي أمامي

 

  1. جزء من تمثال بشري يبين الإزار من الأسفل حيث يتضح لنا احتواءه على العديد من الثنيات نظراً لنعومة القماش أو بسبب شد الحزام بقوة على الخصر، ولم يظهر من الحزام سوى الجزء المعقود من الأمام المتدلي بشكل مموج.
    جزء من تمثال نصفي يصف أسفل الجسم

     

  2. جزء من تمثال طيني مفقودة أجزاءه السفلى والرأس وحتى الأطراف، الجسد عليه قطعة قماش تغطي الكتف الأيسر للتمثال ويبدو أن أطرافها قد هُدّبت وزخرفت، الذراعين زينت بثلاثة حلقات من الأساور وتظهر إحداها في اليد اليمنى مزينة بنقوش بارزة.
    جزء من تمثال طيني

     

  3. سراج فخاري كامل مفقود من اليد، على هيئة قدم ترتدي حذاءً، قاعدته عريضة وله فتحة أمامية وأخرى من الأعلى، أما شكل الحذاء فرأسه مدبب ونعله مكون من ثلاث طبقات متتالية، يمر شريط رفيع بين الأصبعين الأماميين، كما توجد أشرطه رفيعة أخرى تمر من جوانب القدم وتتلاقى معاً بشكل جميل ورائع يخرج منها أشكال دائرية حلزونية، أما من الخلف فيوجد شريط يمر بمؤخرة القدم ويلتف حول الساق ويثبت بإبزيم.
    سراج فخاري على شكل قدم

     

  4. جزء من تمثال، وهي لقدم ترتدي حذاء، الأشرطة هنا مكونة من ثلاثة صفوف متقاطعة مع بعضها، الفرق في هذا الحذاء عن غيره هو احتواءه على قطعة جلدية من خلف القدم كي تثبت القدم بشكل أفضل وهي عبارة عن مجموعة صفوف من الأشرطة الجلدية المتقاطعة معاً مشكلة مربعات صغيرة، وهناك إختلاف آخر وهو أن النعل أكثر سماكة ويتكون من ثلاثة طبقات أيضاُ لحماية الأقدام عند السير.

    جزء من تمثال لقدم

ثالثا : الكتابات التاريخية

الرحالة والجغرافي اليوناني سترابو

قام الجغرافي والرحالة اليوناني سترابو (63 ق.م-23م) بذكر الأردنيين الأنباط، ووصف بلادهم وطبيعتهم ولغتهم، إلى جانب أهم الحضارات والدول المعاصرة لهم في المنطقة، وقد ذكر سترابو في معجمه وصفاً لملابس الأردنيين الأنباط، حيث أورد بالكتاب السادس عشر من مجموعته الجغرافية ملاحظة قصيرة عن ملابس الأنباط حيث قال:” أنهم يتجولون بدون عباءات وبحزام ضام وصنادل بأقدامهم، ومثلهم الملوك لكن باللون الأرجواني”.

كما قدم لنا المؤرخ اليوناني هيرودوت إشارة حول ملابس الأنباط حيث يؤكد أنهم كانوا يرتدون ما يعرف بإسم الزيرا، وهو الإزار ويكتب أزر أو مئزر، وهو رداء يلبس لتغطية الجسم ويلف حول الخاصرة ويكون مفتوحاً من الأمام، وعليه ثنيات تجمع بحزام ضام عند الخصر.
كما أنهم يضعون ما يستر صدورهم في بعض الأحيان ويسمى رداء وهو الثوب الذي يغطي الجزء الأعلى من الجسد، بحيث يشكل قطعة واحدة من الإزار وجمعه أردية، ويكون إما طويلاً أو قصيراً، وعادة ما يوضع على العاتق أو بين المنكبين ويتدلى ليغطي الظهر أو الصدر على شكل وشاح.

العناصر الرئيسية للباس الأردنيين الأنباط

رسم تصويري للملك الأردني النبطي الحارث الثالث

غطاء الرأس
تنوعت أشكال أغطية الرأس عند الأردنيين الأنباط، ففي حين كان الكهنة يرتدون قلنسوات تنسدل حتى طرف الأكتاف التي ترمز لهم ويقتصر ارتداؤها عليهم، كان الملوك يرتدون التيجان المعدنية المزينة بالأحجار الكريمة، أو أكاليل من النباتات مثل الغار، بينما كان العامة يلفون رؤوسهم بقطع قماش عادية على شكل عصبة.

الإزار
وهو رداء من القماش يلف حول الخصر لتغطية الجزء السفلي من الجسم.

الرداء

وهو قطعة من القماش تغطي الجزء العلوي من الجسم، سواءً بشكل كامل أو بشكل جزئي حيث يكشف أحيانا أحد الكتفين.

الحزام

وهو  قطعة من القماش أو الجلد، عرضها قليل، تلف حول الخصر وتقوم بتثبيت الإزار،  يتدلى منها حلقات في بعض الأحيان، إما لزيادة ثبات الحزام من حيث العقدة أو لتعليق السلاح.

الحذاء

كانت  الأحذية تصنع في ذلك الوقت من خامات سميكة قادرة على تحمل قساوة البيئة، ودورها في المقام الأول حماية باطن القدم، بالإضافة لتدفأتها في فصل الشتاء، والخامة الغالبة على صناعة الأحذية هي الجلود، وتنقسم إلى نوعين، نوع صيفي مفتوح من الأعلى، ما عدى أشرطة تقوم بعملية تثبيت الحذاء على القدم، أو أحذية مغلقة بالكامل وهي لفصل الشتاء.

سراج فخاري يوضح شكل القدم والحذاء

هيئة اللباس الأردني النبطي حسب الموقع الاجتماعي

الملوك

يتكون زي الملوك الأردنيين الأنباط بشكل أساسي من إزار طويل يصل إلى أسفل القدمين، أطرافه مزينة بزخارف طولية، وكان الملوك يرتدون أحياناً، أثواب طويلة مغطاة برداء مهدب يرجح أنه أرجواني اللون يوضع على الكتفين، كما كانوا يرتدون التيجان المعدنية أو أكاليل الغار على رؤوسهم.
رجال الدين
يتكون زي رجال الدين بشكل عام من قلنسوة تغطي الرأس وتصل إلى الكتف، بالإضافة إلى إزار ذي طيات عديدة يصل لأعلى الكعبين.

المحاربين
يتكون زي المحاربين من  إزار مفتوح من الأمام وعليه ثنيات تُجمع بحزام عند الخصر تتدلى منه قطعة جلدية تشبه الجيب لوضع السلاح، وأحياناً يرتدي حمالة صدر تمر بالرقبة لحمل السيف.

الخامات المستخدمة في صناعة الملابس عند الأردنيين الأنباط

الصوف

قطع من الصوف المصبوغ

جاء في إحدى النقوش ما يدل على أن الأردنيين الأنباط عرفوا لفظة الصوف وقد عبروا عنها بكلمة خاصة بهم وهي: ع م ر. وعثر على بقايا صوف منسوجة عليها حرف S وقد زينت بعضها برسوم وجوه بشرية وزخرفت بإطارات وأشرطة ولونت بعدة ألوان.

قطع من الصوف المحاطة بإطار مزركش

القطن

 أثبتت الحفريات في موقع الطويلة استخدام القطن، حيث عثر على بقايا في الطبقة الجيرية عالق عليها منسوجات، وتم إخضاع هذه العينة للدراسة المخبرية وتبين أنها بقايا لألياف قطنية ملتصقة على السطح، إذ اكتشف بعد ذلك أن الأنباط زرعوا القطن وقد كانت على شكل حرف S  ومعظمها غير مصبوغ وغير مزخرف، علما بأنه يوجد عدد لا بأس به تمت زخرفته ولُوِّن بأشرطة.

الحرير

استخدم الأردنيون الأنباط الحرير والدليل على ذلك القطع الحريرية المكتشفة في منطقة عَبدة النبطية والتي كشفت عنها التنقيبات عام (1958-1960) داخل المنازل والكهوف، حيث أن الدراسات بينت لنا التشابه بينها وبين القطع الحريرية التي عثر عليها في مصر وذلك من خلال تشابه الزخارف الهندسية، حيث حبكت اللُّحمة باللون الذهبي المصفر، وفيما يتعلق بالزخارف فهي مكونة من لون أصفر على أرضية حمراء هذا بالنسبة للحقل الرئيسي، أما الإطار فهو أحمر على أرضية صفراء.

الكتان

دلت الشواهد الأثرية كالنقوش التي ذكرت الكتان بإسم (بوص) وقد عثر على بقايا كتانية في منطقة نهال اومير حيث وصلها الأردنيون الأنباط خلال تجارتهم، كما أن البقايا الكتانية تعود لفترة طويلة من دون أصباغ أو زخارف، أما بداية صباغته فكانت باللون الأزرق أو زُيِّن بأشرطة أو شبكة مزدوجة أو مفردة ذات لون أزرق، ولم يختلف عن القطن بطريقة صباغته وصناعته. كما عثر العالمان هاردنج وديفو خلال تنقيبها في كهوف قمران عام (1949) على قطعة من قماش الكتان، حيث أرسلاه إلى بريطانيا لفحص العينات وتحليلها، وتبين بأنها فعلا أقمشة كتانية لملابس حيث جاء بعضها على شكل لفائف والأخرى مربعة الشكل.

الجلود

يظهر لنا أن الأردنيين الأنباط قد استعملوا جلود الحيوانات في صناعاتهم، وتؤكد الكشوفات الأثرية أنهم استخدموا هذه الجلود في صناعة الملابس مثل المعاطف والأحذية (الصندل) والأحزمة، حيث يؤكد سترابو أن الأردنيين الأنباط كانوا يمشون في الخارج بالصنادل، كما اكتشفت الصنادل في قبـور مدينـة ممفـيس والحميمة وكازون، كما استخدمت الجلود كأكفان لدفن الموتى، ففي مقبرة الضارية يذكر أن الجثث هناك كانت مغلفة بالأكفان الجلدية المزخرفة، ذات غرز مضاعفة، ومعظمها مصبوغ بالألوان السوداء، أو البنية الغامقة، في نفس الموقع وجد كفن مصنوع من الجلـد بشكل متقن، بحيث تمت صناعته من جلد الماعز أو الأغنام، مصبوغ باللون البني وفي مدينة الحجر هناك أكفان جلدية ذات غرز، وسدت الشقوق فيها بمـادة القـار، بالإضافة إلى ذلك وجدت أكفان جلدية في منطقة الحميمة، ووجدت الأكفان الجلدية في منطقة كازون، قرب البحر الميت.

المعالجة التي تتعرض لها المواد الخام قبل تحويلها إلى ملابس

الدباغة
وهي عملية تحويل الجلد المسلوخ من جسد  حيوان إلى قطع مدبوغة من الجلد يمكن استخدامها في عملية صناعة المعاطف والأحذية والأحزمة، وهذه الصناعة معروفة منذ القدم حيث كان يستخدم (النجب) وهو قشر سيقان الطلح لتسهيل عملية الدباغة، وفي وقتنا الحاضر تدبغ الجلود بواسطة لحاء شجر البلوط.

الصباغة
وهي عملية تلوين ألياف الأنسجة ومواد أخرى بحيث تصبح مادة التلوين جزءاً لا يتجزأ من الألياف ولا تكون هذه الألوان مجرد طبقة خارجية تغطي سطح المنسوجة.
المواد المستخدمة في الصباغة عبارة عن مركبات كيميائية عضوية بالدرجة الأولى، تحتفظ هذه المركبات بلونها في الألياف حتى بعد تعرضها لضوء الشمس أو المياه أو المنظفات أو حتى عند الارتداء، وهناك أنواع أخرى من الأصباغ قوامها مركبات تلوين غير قابلة للذوبان.
وبخصوص مصدر الأصباغ، فقد تبين أنها طبيعية نباتية أو معدنية ومن الملاحظ أنها قد صنعت بطريقة دقيقة وحساسة تكون بواسطة نقعها بالماء أو تسخينها على النار لتصبح مادة صالحة للتلوين.
أما الصباغ المستخرجة من المعادن فإن إستخلاصها يكون من الصخور والمعادن مثل الأكاسيد (للون الأحمر)، أما باقي الألوان فهي تستخرج عن طريق أوراق نباتات Woad  أو Indigo  للخروج باللون الأزرق، والنوع الأول يمكن الحصول عليه من الشرق الأوسط، أما النوع الثاني فهو متوفر  بالهند ومنها ما يتم استيراده للمملكة الأردنية النبطية، وبالنسبة لنبات الانديجو فعادة ما يستخرج من تهامة ويستخدم في صبغ الملابس باللون الأزرق، ونبتة النيلة من النباتات المعمرة حيث تؤخذ أوراقها لصبغ الملابس بالأزرق، أما اللون الأصفر فهو يؤخذ من نبتة (الكركم/العصفر)، إذ تجفف ويصبغ منها اللون الأصفر، والأحمر يعطي درجات البرتقالي أكثر من البنفسجي التي كانت تنتج عن طريق نبتة تدعى Madder  ونبتة Rubis Tinctorum، وغالباً ما تستخدم جذور هذه النباتات لاستخراج الألوان المراد استخدامها وللحصول على اللون البنفسجي، ولا بد من دمج اللون الأحمر مع الأزرق لتكون أقرب من اللون البرتقالي، وقد انتشر هذا اللون عموماَ خلال الفترة الرومانية.
أما النوع الآخر من الصباغ النادرة في العالم والتي تعد من الأغلى فهي التي تستخرج من حشرة تعيش على شجرة البلوط ويستخرج منها اللون القرمزي.

الخياطة

وفيما يتعلق بلفظ الخياطة أي صانع للملابس فقد جاءت في النقوش النبطية بصيغة م ر ق ع ا والتي تعني الخياط، وهذا يدل على وجود مهنة منفردة تُعنى بعملية تصميم الملابس وحياكتها وتصليحها، ولم يقتصر الأمر على جهد منزلي فردي.

الحلي والمجوهرات عند الأردنيين الأنباط

الحلي الذهبية
وجدت أغلب قطع الحلي الذهبية الأردنية النبطية في موقع طويلان، وهي حلي منتجة محلياً ببراعة عالية، حيث امتاز جنوب الأردن بالألف الأول قبل الميلاد بإنتاج المصوغات الذهبية، وكانت الحلي الذهبية التي صاغها الأردنيون الأنباط متنوعة من أقراط الأذن ذات الحلقة المفتوحة وجذع مخروطي ينتهي بنهاية اسطوانية محززة طولياً، وكانت بعض الأقراط على شكل هلال يرتبط من الأعلى بقوس مفتوح لتعليقه بالأذن وفي قاعدته الهلال هناك عقدة مزخرفة، المتدليات أو القلائد، وخواتم الأنوف والأصابع، الأساور البيضاوية والدائرية البسيطة.

الحلي الفضية

كان يتم استيراد الفضة من الخارج، وتعتبر صياغة الفضة عملية صعبة بسبب ضعف قابليته للطرق على شكل رقائق قياساً بالذهب، حيث كان يضاف القليل من النحاس إلى الفضة لتصبح قابليتها للطرق أعلى، وكانت الفضة تستخدم في صناعة الخواتم والدبابيس، أو كطلاء لحلي من معادن أخرى.

الحلي النحاسية والبرونزية
وهي الحلي الأكثر انتشاراً لدى الأردنيين الأنباط، وكانت تصنع عبر آلية الشمع المفقود، إذ يصنع قالب للقطعة المراد تصنيعها من الشمع، ثم تغطى بقالب فخاري، يتم صب المعدن المصهور بداخله، وعندما يتحول إلى الحالة الصلبة يتم كسر القالب الفخاري لإخراجه، وكانت الحلي المصنوعة بهذه الطريقة عالية الدقة وكثيرة التفاصيل.

أقراط نبطية

الأحجار الكريمة
يشير بيليني في كتابه التاريخ الطبيعي إلى وجود الأحجار الكريمة في البترا، فيما يقول جونسن أن إنتاج الأحجار الكريمة تطور في المملكة الأردنية النبطية أثنـاء القرن الأول بعد الميلاد، حيث استخدمت المواد الخام المستوردة من مصر، والتي تم إعادة تصنيعها محلياً ثم كانت تباع إلى بلاد فارس وأسواق البحر المتوسط، ومن ثم فإن الحفريات الأثرية في المواقع العائدة للمملكة الأردنية النبطية تشير إلى استخدام الأحجار الكريمة على المصوغات المعدنية لتضفي عليها لمسات جمالية.

العطور ومواد التجميل

تعد العطور والمراهم جزءاً مهماً من مجموع العناصر التي تدخل في نمط اللباس والزينة لأي شعب من شعوب العالم، وتدل البحوث على أن الأنباط امتازوا بصناعة وتجارة العطور والمراهم العلاجية والتجميلية، فبحسب هاموند فإن المملكة الأردنية النبطية، كانت مركزاً لانتاج المراهم والعطور، حيث أن النظام البيئي في المملكة الأردنية النبطية يحتوي على العديد من النباتات الطبية والعطرية، فضلاً عن سيطرة الأردنيين الأنباط على طرق التجارة الرئيسية التي تمر منها المواد الخام المستخدمة في صناعة العطور والمراهم من الشرق والغرب.

وكانت أساليب انتاج العطور دقيقة جدا، حيث ذُكرت في المصـادر التاريخية المختلفـة مثـل بلـيني وتيوفرانس في كتابه (تحقيق في النباتات)؛ إذ يذكر تيوفرانس ثلاثة أساليب لإنتاج العطور، الأول هو خلط الصلب بالسائل لصناعة عطر طبيعي أو عادي،  والثاني خلط السائل بالسائل لصناعة مراهم ومنكهات، والثالث خلط الصلب بالصلب لإنتاج مسحوق العطور، ويعتبر أكثر العطور استعمالاً وشيوعاً ذلك الذي ينتج بخلط الصلب بالسائل لإنتاج العطـر، إذ يذاب المر وهو المادة الصلبة بعد سحقه في الزيت ومادة البلانـو السائلة على نار هادثة، ثم يضاف الماء الحار، وبالتالي فإن المر ورواسب الزيت تظهر في القاع، ويجب أن تعصر لإنتاج العطر.
بليني أيضاً تحدث عن العطور المصنعة، وذكر المواد المسـتخدمة في صناعة هذه العطور، حيث عدَّ  ثلاثة مكونات ضرورية لإنتاج العطور وهي الجـزء الصـلب والزيوت التي تُسمى المواد القابضة والألوان.
يذكر باندك واريوس أنه أثناء عملية تنقيب قرب أحد كهوف قمران، وجد إبريـق يعود تاريخه إلى فترة هيرودوتس ملفوف بألياف النخيل، وتم تحليل محتوياته وأشار في ضوء هذا التحليل إلى أنه من المحتمل أن يكون ما بداخله زيت البلسم، وتظهر الأدلة الأثريـة الإنتاج الكبير للمواد الأولية الداخلة في صناعة المراهم، ويبدو أن الأواني المستخدمة لتخزين العطور والمراهم كانت جزءًا من عملية تمييز مصدر المنتج، حيث تميزت الأواني التي استخدمها الأردنيون الأنباط عن غيرهم في نقل وتخزين العطور والمراهم.

تصفيف الشعر

عملة أردنية نبطية تظهر الملكة شقيلات إلى جانب الحارث الرابع

إن أهم مصادر الاستدلال على طريقة تصفيف الشعر لدى الأردنيين الأنباط هي المسكوكات الأردنية النبطية، حيث تحتوي على صورة واضحة مقربة من وجه ورأس الملك، بحيث تصف تقاسيم الوجه، وتصفيفة الشعر بوضوح.

تظهر مسكوكة أردنية نبطية مبكرة الملك عبادة الثاني (62-61 ق.م) بشعر قصير، بين مسكوكة أخرى في العام (61-62 ق.م) تظهر شعر الملك طويلاً، فيما أظهرت مسكوكة أخرى الملك الأردني النبطي رب إيل الثاني (70-106م)، بشعر مجعد طويل، وتضاربت الآراء بين الباحثين حول السمة الغالبة على الشعر لدى الأردنيين الأنباط، ففي حين تشير المسكوكات والرسوم إلى أن الشعر الطويل هو الأكثر انتشاراً بين الرجال الأردنيين الأنباط، يذكر هيرودوت أن الأنباط كانو يحلقون شعرهم بشكل مستدير مع إطالة السالف تشبهاً بالآلهة ديونيزيوس وأورانيا التي كانوا يعبدونها.

الخاتمة
لقد حاولنا في هذا البحث تغطية العناصر الرئيسية للأزياء والزينة لدى أجدادنا الأردنيين الأنباط، للوصول لأدق صورة حول طبيعة المظهر العام في ذلك الوقت، واستندنا في هذا المجال على عدة مصادر رئيسية أهمها التماثيل والمنحوتات التي توضح طبيعة الملابس، بالإضافة إلى روايات المؤرخين واللقيات الأثرية التي تحتوي على أدلة حول الأقمشة والعطور والمراهم، والواضح من هذا البحث أن أجدادنا الأردنيين الأنباط امتلكوا ذوقاً رفيعا ومنظومة أزياء وزينة شاملة وذات طابع خاص تمثل جزءً مهمة من هويتهم الحضارية.

مراجع

  1. الماجدي، خزعل(2012)، الأنباط التاريخ-المثلوجيا-الفنون،(ط1)،دمشق: دار النايا ودار محاكاة للنشر والتوزيع.
  2. عباس، احسان(1987)، تاريخ دولة الأنباط،(ط1)،عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع.
  3.  أبو قاعود، الاء حمود (2012). ملابس الذكور عند الأنباط، رسالة ماجستير ، الجامعة الأردنية، عمان، الأردن.

الأزياء والزينة لدى الأردنيين الأنباط

مقدمة

تعتبر العادات والتقاليد جزءاً من الإرث الإنساني للمجتمعات والحضارات وتستغرق مئات السنوات لتراكم هذه العادات، والتي تتأثر بالظروف المحيطة والتغيرات التي تطرأ على المنطقة سواء كانت هذه التغيرات والتحولات اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، ومن خلال تحليل هذه العادات والتقاليد وفهمها ووضعها في سياقها الصحيح يمكن للباحث والمهتم الحصول على فهم أوسع لتركيبة وبنية المجتمع للتمكن من قراءة الأمور بصورة أوضح، وضمن سلسلتنا البحثية المتعلقة بالهوية الغذائية الأردنية رأينا أن المشهد لن يكتمل بدون استعراض طبيعة العلاقات الانسانية في المجتمع الأردني والتي يمكن تلمّسها من خلال المناسبات المجتمعية، أما الحديث عن العادات والتقاليد فهو نابع من ضرورة التمييز بين كل منهما وتفصيلهما وعدم الخلط بينهما رغم أن المصطلح غالباً ما يستعمل بشكل مركب للدلالة على أشياء بينها تفاوتات، وهنا نستعين بما أورده العلاّمة والمؤرخ الأردني العظيم روكس بن رائد العزيزي من توضيح وتبيان لهذا الخلط، فيقول علّامتنا:

“إن التقليد وفقاً لمعجم المحيط يعني إتباع إنسان غيره في ما يقول، أو ما يفعل، من غير نظر ولا تأمل في الدليل، اتباع إنسان غيره في ما يقول، أو ما يفعل، من غير نظر ولا تأمل في الدليل، كأن هذا المتبع جعل قول الغير، أو فعله، قلادة في عنقه، وربما عرّف التقليد بأنه اعتقاد جازم، غير ثابت، يزول بتشكيك المشكك، والتقاليد، غير العادات، لأن العادات هي ممارسات في مناسبات معينة، كعادات القوم في أفراحهم، وفي أحزانهم، وتلك العادات إذا حللناها وجدنا أنها نشأت لغرض يحقق منفعة، أو يدفع ضرراً,,

وفي هذا البحث نستعرض أهم العادات الأردنية في المناسبات والطقوس الاجتماعية التي كانت و/أو ما زالت تشكل جزءاً من أسلوب حياة الأردنيين، ونسلط الضوء بشكل خاص على العادات المتعلقة بالجانب الغذائي، بينما يتم تناول هذه المناسبات بالتفصيل من ناحية علوم اجتماعية في أبحاث أخرى.

  • المشاعر الإنسانية:

قبل الحديث عن المناسبات لا بد من التطرق للمشاعر الإنسانية والتي كانت العامل الأول خلف هذه المناسبات وينعكس نتيجة لذلك السلوك الإنساني الذي أصبح يشكل ما يعرف بالعادات المتعلقة بهذه المناسبات ووسيلة للتعبير عن هذه المشاعر، ويرجع مفهوم المشاعر الأساسية أو الأولية إلى كتاب الطقوس (The Book of Rite) على الأقل، وهو موسوعة صينية تعود الى القرن الأول، وقد حدد الكتاب سبعة مشاعر للإنسان وهي الفرح والغضب والحب والكره والإعجاب والخوف والحزن. وفي القرن العشرين حدد Paul Ekman ستة مشاعر أساسية وهي الغضب والاشمئزاز والحزن والاندهاش. وحدد Robert Plutchik ثمانية مشاعر وقسمها على أربع مجموعات زوجية متضادة وهي (الفرح والحزن – الغضب والخوف – الثقة والارتياب – الاندهاش والتوقع).

  • ويسود الاعتقاد بأن المشاعر الأساسية تطورت في الاستجابة لتحديات البيئة التي واجهت أسلافنا القدماء، وهذه مشاعر بدائية مترابطة مع كل شعور أساسي يقابله دائرة عصبية مميزة وخاصة، وهذه المشاعر الأساسية المترابطة (أو ما تسمى ببرامج التأثير) هي فطرية وشاملة وتلقائية ومحفز عالي لسلوك قيمة البقاء، ويمكن أن يقال عن المشاعر الأكثر تعقيداً مثل التواضع والحنين والتي على سبيل المثال لا تنسب إلى الرُضّع والحيوانات، أي أنه وبتطور هذه المشاعر يمكن الاستدلال على تطور وحضارة المجتمعات الإنسانية، وفي ما يلي من البحث سنستعرض أهم المناسبات والطقوس الاجتماعية الأردنية محاولين تأطيرها ضمن هذه المشاعر من خلال ربطها بسلوكيات معينة مثل الذبح وإعداد الطعام، حيث تعرفنا في بحث ميثولوجيا الضيافة الأردنية سابقاً بإيجاز على أنواع الذبائح وبعض الحالات التي يصبح الذبح فيها واجباً إنسانياً يمتدح فاعله ويذم تاركه، وسنحاول هنا أن نقوم بالاستدلال على السلوك الغذائي للأردنيين في مناسباتهم الاجتماعية من خلال إعادة النظر في مناسبات هذه الذبائح وتوزيعها على المناسبات باعتبارها وسيلة على أهميّة هذه المناسبة التي تجعل من الأردني يتنازل عن إحدى أهم مصادر الانتاج التي يمتلكها ويضحي بها في سبيل هذا الحدث ذو الأهمية والقيمة المضافة لحياته.
عمان 1935 فاردة – مسيرة – عرس الأمير طلال ونشاهد الأعلام الأردنية، فيما الحرس والكشافة ينظمون المسير في اجواء احتفالية
  • الفرح:

يعتبر التعبير عن الفرح والسعادة الشعور الإنساني الأسمى نتيجة لما يرتبط فيه من مشاعر ايجابية يحاول الانسان التعبير عنها ومشاركتها مع من يحب وينعكس ذلك على من حوله حيث سيحاول جاهداً جعلهم سعيدين مثله، مما يخلق مناخاً معدياً من الفرح، ولهذا فقد تنوعت مناسبات الفرح والسعادة في أسلوب الحياة الذي طوره الأردنيون عبر السنين، واختلفت معه طقوس هذا الفرح وآلية التعبير عنه وإشراك الناس في متعة تقاسمه، ولعله من أهم الطقوس المتعلقة بالفرح هو الزواج، وهي المؤسسة الأسريّة التي تضمن استمرار هذا الفرح وإعادة إنتاجه وتجسيده في الأبناء الذين يأخذون شكل هذا الفرح فيكبرون وينضجون ويتعلمون ويتخرّجون في سلسلة مستمرة من حلقات الفرح، وهنا نستعرض أهم هذه المناسبات ومكانتها في المطبخ الأردني والهوية الغذائية:

  1. الخطبة: إن مراسم الزواج في الأردن طويلة وليست بالشكل المتعارف عليه في كثير من الدول والثقافات، وتبدأ هذه المراسم بالطلبة وهي إحدى مراحل الخطوبة وتعني إرسال جاهة من أهل العريس لبيت والد العروسة، وتبدأ المفاوضات والقهوة عنوانها ومفتاحها، ولعل المهر هو النقطة المحورية في هذه المفاوضات وهو في الأصل لا يطلب إلا من غير الأقارب، والغرض منه أن العادة جرت أن يتم تزويج الفتاة لأبناء عمومتها، إلا أنه وفي حالة رغبة غريب من الزواج بها فيطلب منه المهر كوسيلة لرفضه أو تعجيزه، فيقوم هو بالمقابل بإثبات وبرهنة استحقاقه لهذه الفتاة من خلال التضحية الماديّة أو المعنوية، ولما كانت الظروف أقل استقراراً وفي حالة غياب الدولة – في عهد الاحتلال العثماني تحديداً- كان من الطبيعي أن يكون مهر الفتاة مبالغاً فيه في تكلفته أو في خطره على حياة العريس نفسه، كأن يطلب من العريس رأس فلان أو خيل فلان وهكذا، وقد يكون المهر المادي مالاً أو قمحاً أو عدداً من المواشي أو الإبل لما كان لها من قيمة في الثقافة الانتاجية، وكان من المتعارف عليه أن أهل العروس يجب أن يذبحوا للجاهة ويقوموا بإكرامهم والإيلام لهم لما بذلوه من جهد في هذه الوساطة سواء كان للزواج أو المصالحة بين طرفين.

 ثم الخطبة التي يرافقها ما يرافقها من مراسم القهوة والتحلية ويذبح في ليلة الخطبة “ذبيحة الصفاح”، ويتبع ذلك ما يسمى “النصّة” وهي فترة 7 أيام كان يتم نشر ملابس العروسين على الحبال طوال هذه الفترة، ثم تم الاكتفاء بعرض ملابس العروس وتجهيزها لصديقاتها وقريباتها قبل موعد الزفاف والذي كانت تبدأ الاحتفالات به قبل أيام تعرف بأيام “التعليلة” تقدم خلالها المشروبات الساخنة ليلاً والهيشي – التبغ – والحلويات وبعض الأطعمة أحياناً.

  1. الزفاف: وصولاً ليوم العرس والذي يكون القطار/الفاردة أحد أهم أركانه خصوصاً عندما تكون العروس من منطقة أخرى، فيخرج أهل العريس ومحبين بعد تناول الغداء في مضارب القبيلة، لتصل إلى مضارب أهل العروس والذين يكونون بدورهم قد ذبحوا لضيوفهم وقاموا بإكرامهم، ولا تنتهي الحكاية هنا، فالمتعارف عليه أنه وفي حال كانت المسافة بعيدة ومر القطار بجوار مضارب عشيرة ثالثة فمن الواجب على هذه القبيلة أن تقوم بالذبح وتحضير الطعام للقطار، ويسمى القطار في رحلة العودة ومعه العروس بـ “الفاردة” وتتضمن طقوس الاحتفال ما تتضمنه من رقصات وأهازيج شعبية، مثل السامر والدحيّة والمهاهاة والمحاشاة والترويد، ويسمى طعام يوم العرس “القرى” وهي عادة قديمة تعود لفترة الأردنيين الغساسنة وما سبقهم وتكون غالبا بالذبح وطهي المناسف وتقديمها للحاضرين سواء أثناء أيام التعليلة وبالأخص يوم الزفاف، ويلتزم الحاضرون والمشاركون بتقديم “النقوط” وهي مساهمة معنوية أو ماديّة، بتكاليف العرس التي تكون باهظة في الغالب نظراً لطول فترة الاحتفال، فيقدّم الناس النقود أو الذهب أو المواد الغذائية والإنتاجية مثل الماعز والقمح وغير ذلك، على أن يكون ذلك بمثابة نظام تكافل اجتماعي، بحيث يصبح هذا النقود ديناً على من يستلمه ويقوم بسداده في مناسبة مماثلة.
عمان 1935 نحر الجمال وسلخها لتحضير الولائم لضيوف حفل زفاف الأمير طلال بن عبدالله – الملك لاحقا – ونلاحظ بالخلفية مصابيح معلقة على أعمدة لإنارة الشوارع

وقبل دخول العريس بعروسه يذبح ما يعرف بـ “ذبيحة الحليّة” بنية أن تحل له العروس، وتتبع أيام ما بعد العرس العديد من المراسم الغذائية، فالإفطار الذهبي الذي يحصل عليه العروسين صبيحة يوم الزفاف يسمى الصبحة/الصباحية، ويقوم أهل العروس بأخذ الطعام والحلويات ويقومون بزيارة ابنتهم بعد أيام من زفافها فيما يعرف في بعض المناطق بـ “اللحقة” وبعد ذلك تقوم العروس ونساء عائلة العريس بزيارة أهلها وأخذ بعض الحلوى فيما يعرف محلياً بـ “الزورة/الزوارة” فيذبحون لها “ذبيحة الزوارة” وهو عادة ما يكون خروفا تقوم بأخذه معها فيقومون بذبحه وصنع الطعام لها ولعريسها وتعود في المساء لبيت زوجها محمّلة بالهدايا أيضاً، ويستمر استخدام الطعام لجلب المحبة ودفع البغض حتى في العلاقة بين الزوجين، فذبيحة الحلية / أو ما تعرف بذبيحة الرضاوة جزء من عملية المصالحة في حال أصاب العلاقة بين الزوجين أي نفور.

  1. الإنجاب: وطقوس هذه المناسبة كثيرة تبدأ أثناء الحمل والإنجاب، والعقيقة التي يتم ذبحها كطقس غساني أردني قديم ورثه المسلمون والمسيحيون حالياً وتتشابه أحياناً مع ذبيحة الختان “الطهور” عند المسلمين أو “التعميد” عند العائلات المسيحية، وتسمّى أحياناً ذبيحة “الولد”، وتسمى المرأة في حالة الولادة ”حورية“، وفي أول يوم من ولادتها تقوم إحدى قريباتها بإعداد ”قرص البيض“، حيث تعجن كمية من الطحين بالبيض والبصل المقلي بالسمن ويخبز على الصاج ويقدّم لها، كما أنها تأكل طول فترة نفاسها نبتة “الزقيطة” الخضراء التي يتم تجفيفها وتخزينها خصيصاً لهذه المناسبة فيتم قليها بالسمن مع البصل والبيض وتقدم للحورية، وتعمل ”اللزاقيات والزلابية“ كحلوى تقدم بهذه المناسبة، كما يتم تقديم مشروبات القرفة والحلبة والشاي والقهوة للسيدات اللواتي يقمن بزيارة الأم التي وضعت مولودها الجديد.
  2. التسنين: عندما تبدأ أسنان الطفل بالظهور تقوم والدته بسلق كمية من القمح وتضعها في وعاء وترش عليها السكر وتسمى” السنينة“، وتدعو عليها جاراتها وقريباتها، وتقدمها لهن فيأكلنها ويشربن معها القهوة، ولا يشارك الرجال بهذه المناسبة.
  • الحزن والمحن:

درجت العادة أن يخفي الأردني حزنه وأن يحاول أن لا يظهره إلاّ في أمر جلل، وحتى في أسوأ المواقف وأشدها ألماً وحزناً ستجد الأردني متلصماً في شماغه كوسيلة لمداراة هذا الحزن، فالأصل كان في فترة غياب الدولة والقانون أن الأردني يخفي حزنه ويصبر حتى يأخذ بثأره، لذلك فلا تعزية بطفل أو امرأة ولا يفتح لهما “مدالة” وهي من التداول وتعني بيت العزاء في قاموس المناسبات الأردنية، فالأصل في العادات الأردنيّة أن الحزن هو على المقاتل الذي قضى شهيداً في معركة الدفاع عن الوطن والعشيرة في مرحلة ما قبل الدين وقبل الدولة الحديثة، فيتداول القوم في طريقة الأخذ بالثأر، وجرت العادة أن تقوم النساء بالمعيد عند وفاة زعيم أو شخص ذو مكانة عالية، فيما يكون النواح على وفاة الأشخاص العاديين مهما اختلفت مكانتهم ورتبتهم في المجتمع، ويكون هذا بمثابة رثاء شعري تقف النساء صفين يذكرن مناقب الجماعة الذين قضوا في المعركة، أما الرجال فلا يبكون ومن تقاليد الأردنيين أنه إذا مات شيخ أو كبير قوم، فإنهم يرسلون النعي للقبائل الأخرى بمقلّدة من الخيل، وهي الخيل التي يقلدونها قطعة من نسيج البيت، ويعلن فارس الخيل أو الذلول موت الزعيم، وعندما يصل النعي إلى زعماء القبائل الآخرى، يتم دفق أباريق القهوة وتعفيرها بالرماد كإشارة على الحزن.

الشونة 1935 غور نمرين الأمير عبدالله الأول – الملك لاحقا – يعزي الشيخ ماجد العدوان بوفاة والده الشيخ سلطان رحمهم الله جميعا

وتترافق مراسم الدفن والعزاء بطقوس غذائية حيث جرت العادة أن يقوم أهل الميت بالذبح وإكرام الضيوف الذين جاءوا لتعزيتهم، والأولوية تكون للضيوف الغرباء ووجهاء القوم نظراً لكمية الناس التي تحضر، حيث أوضحنا سابقاً – أين أوضحت ؟ – كيف يتم التحول من حالة الضيافة إلى التعزيب في تراتبية تحافظ  على انسجام ووحدة المجتمع، ويسمى هذا الغداء “طعام المجبّرين” وهو لفظ يطلق على أهل الميّت كناية عن كسر جناحهم وما هم فيه من حزن، ويتم تقديم الغداء والقهوة السادة على الحضور القادمين للقيام بواجب العزاء طوال أيام العزاء والبعض يقوم بتقديم التمر معها، كما يقوم الناس في الأيام التالية بالذبح لأهل الميت والإيلام لهم كمحاولة لمواساتهم وتعتبر هذه الدعوة بمثابة دين اجتماعي آخر ويجب أن يتم سداده في وقت لاحق، ويمكن أن يلاحظ في هذا حجم التماسك الاجتماعي سواء في الفرح  أو في الحزن، ويقوم أهل الميّت بالذبح ثانية في الليلة التالية للدفن، ويسمي البعض هذه الذبيحة بـ “ذبيحة الثالث” أو “ذبيحة القبر” ومنهم من يسميها “فكّة الكفن”.

مادبا 1937 ضيوف في ضيافة الشيخ مثقال الفايز بني صخر يتناولون طعام الغداء –

 

  • التعاملات الحياتية:
  • السكن: جرت العادة أن يتم ذبح “ذبيحة البيت”وتسمى أحياناً “ذبيحة الواسط” وتذبح إذا أراد الرجل أن ينصب بيتاً جديداً وكان الأصل فيها نقل بيت الشعر وإعادة نصبه حتى لو على مسافة لا تتجاوز مائة متر، وهذا دفعاً للشر وجلباً للخير، ومن العادات أيضاً “ذبيحة الباطون” أو “ذبيحة العقد” وهي من العادات المرتبطة بالمساكن الحجرية حيث تتزامن هذه الذبيحة مع فترة العقد والصبّة أو القنطرة سابقاً، وكذلك ما يتعلق في “ذبيحة البيت الجديد” وغالباً ما يقوم الجيران بإعداد الطعام للساكنين الجدد فيما يعرف بـ “النزالة”، وكذلك يقوم أصحاب البيت الجديد بذبح “ذبيحة العتبة” والهدف منها هو طرد أرواح الجن.
  • الزراعة: تتزامن عملية الزراعة بكافة مراحلها بالكثير من الأهازيج والممارسات التي تعبر عن تجذر قيمة الإنتاج عند الأردنيين، ويترافق هذا مع العديد من الذبائح، منها “ذبيحة الحصيدة” والتي كانت قديماً تسمى فتاحة المنجل، وتذبح هذه الشاة عند البدء بحصاد القمح، ومنها يصنع العشاء للحصادين والرجادين والشدادين ويستعيض عنها فقراء الزرّاع بالفطيرة المكونة من السمن البلدي ولبن الجميد وخبز الفطير وكلما زاد مقدار السمن كانت في نظر الناس أجلّ، وكذلك الحال “ذبيحة الجورعة” التي تذبح مع نهاية الحصاد لإكرام وشكر أفراد الأسرة والعاملين والمحبين وكل من ساهم في إنجاز العمل ويتم إعلان “الجورعة” فيها وهي التنازل عن ما تبقى في الأرض لصالح المساكين والراغبين بالاستفادة مما تبقى من غلال ويتم ذلك من باب الزكاة والمسؤولية الاجتماعية من أصحاب الثروة تجاه جيرانهم وعمالهم ولتطييب نفوسهم، وكذلك الحال في “ّذبيحة البيدر” وتكون هذه بعد نقل الغلال وإيصالها إلى المخازن.
  • الثروة الحيوانية: للحيوان في الإرث الأردني مكانة وأهمية وحقوق لا تقل عما هي عليه في مؤسسات ومنظمات رعايته في الدول الغربية، فقد عرف الأردنيون ذلك وطبقوه منذ سنين طويلة، فإلى جانب حمايته والنظر له كمصدر للإنتاج وليس موضعاً للاستهلاك اليومي، فقد اهتموا بالتفاصيل المتعلقة بتربيته وحلبه وبيعه وشراءه، فنجد ذلك ماثلاً في حالة “ذبيحة الغنم”  في حال أصاب الغنم وباء وأراد صاحبه أن يفتديه فيقطع إذن المرباع ؟؟ وينتظر فإذا ذهب الوباء يذبح هذه الشاة التي تسمى القطيشة (بعد قطع أذنها) ويولم لأهله وجيرانه ويدعوهم لأكلها، وكذلك الحال في “ذبيحة الفرس” والتي يذبحها من يقوم بشراء خيل أصيلة، و”ذبيحة التوريد” التي يذبحها صاحب الخيل الأصيلة التي تم بيعها عندما يحضر له مالك الخيل الجديد المثاني (وهي المهرة الأولى والثانية من نسل الخيل التي باعها) وفي هذا مثال على رقي التعامل التجاري  بالحيوانات وخاصة الخيل لما لها من مكانة في نفس الأردني المحارب بالفطرة.
  • الحرب والسياسة:

كانت الحرب بما يرافقها من سلوكيات وأعمال سلب ونهب ضرباً من ضروب الشجاعة في وقت لم يكن فيه مكان للأمن والحصول على الحقوق إلا بالقوة في ظل الفتن والأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة التي فرضها الاحتلال الخارجي من عثماني وغيره، لذلك ظهر مفهوم “ذبيحة الكسب” كوسيلة للتعبير عن الفرح بإنجاز المهمة والعودة غانمين سالمين من المعركة، كما توجد ذبائح خاصة بالصلح والتراضي ما بعد التخاصم، وذبيحة أخرى عندما يقوم شخص بترك قبيلته والانضمام لقبيلة أخرى، فيما يشبه اللجوء السياسي حالياً.

  • التجارة:

كان للموقع الجغرافي المحوري بين أهم الامبراطوريات العالمية المتصارعة دوره في بناء شخصية الأردني ليكون قادراً على المناورة السياسية وبناء تحالفات تضمن الحفاظ على مصالحه ومنافعه، ومن ضمن هذه العلاقات تبرز التجارة كمهنة أساسية لكثير من القبائل الأردنية التي استفادت من وجود الأردن على أهم طرق النقل التجارية، الأمر الذي يفسر العثور على الدينار الحارثي النبطي في الصين وموانئ أوروبا، ومن هنا ترافقت التعاملات التجارية والصفقات التي كان يجريها الأردنيون بطقوس وبروتوكول يميزهم ويجعلهم يكسبون قلوب الشركاء المحتملين ويظهرون لهم حسن النية ولين الجانب، ومن هنا جاءت “ذبيحة الشراكة”.

الشونة 1934 غور نمرين الرحالة السيد والسيدة توني ومرافقيهم في ضيافة الشيخ ماجد العدوان
  • الضيافة:

وهي من المناسبات الأكثر تكراراً وأحد أهم عناوين هذه السلسلة البحثية، وقد تم تناولها في بحث منفصل، أوضحنا فيه كيف يكون واجب الضيافة مقدساً بالحد الذي تكون فيه الضيافة ضرباً من ضروب العبادة، وللضيافة أربع أنواع يذبح في معظمها للضيف ويتم الإيلام له في مهمة يتشاركها الرجل مع زوجته التي تنوب عنه في حال غيابه.

  • المناسبات الدينية:

المقامات والقرابين: كثير من الطقوس الحالية المتعلقة بالذبائح تعود لجذور ما قبل التدين عند الأردنيين القدماء ولفترة تسبق ظهور الديانات المسيحية والاسلامية، ومثال ذلك “العقيقة” و “القرى” وهي ذبائح وعادات تعود لفترة الأردنيين الغساسنة، وأبقى عليها الأردنيون بغض النظر عن الديانة التي اعتنقوها لاحقاً، كما تحظى المقامات والأشخاص ذوي الكرامات باهتمام ملموس في عقيدة الأردنيين، ومن أشهر هذه الذبائح: ذبيحة اسماط الخضر، وذبيحة شيحان، وذبيحة الخمسان والعشيات عند المسلمين والمسيحيين لمقام النبي موسى، وذبيحة سليمان بن داهود وذبيحة العجام وذبيحة دانيال وغيرها.

الشونة 1931 ضيوف المؤتمر الاسلامي في ضيافة الشيخ ماجد العدوان
  • رمضان: في رمضان تستخدم معظم الأكلات نفسها، ولكن يتم الإكثار من تناول الشوربات مثل العدس والفريكة، ويتم مشاركة الطعام بشكل أكبر فيما يسمى بعملية المقادحة، وهي عادة كانت بأن يجتمع الرجال عند الإفطار في بيت كبيرهم وأن يحضر كل منهم قدحاً فيه من طعام أهل بيته.
  • عيد الفطر: يبدأ هذا العيد بتناول طعام الإفطار لأول مرة بعد صلاة العيد، بعد صيام 30 يوماً وامتناعٍ عن الأكل في النهار، ويتم توزيع كعك العيد المصنوع من التمر إضافة لأقراص القسماط وهو الخبز المغطى بزيت الزيتون.
  • عيد الأضحى: ذبيحة ذات رمزية دينية تعود لقيام النبي ابراهيم عليه السلام بافتداء ابنه اسماعيل، ويختار الأردني الضحية من أفضل المواشي أو الجمال الخالية من كل عيب جسمي، وكان يتم تكحيلها قبل نحرها، ويتم الاعتناء بها جيداً في الأيام التي تسبق عيد الضحية وتوزع لحومها على الأهل والأقارب والفقراء، وغالباً ما يستعمل كبد وأحشاء الضحية في افطار أهل البيت فيما يعرف محلياً بـ “المعلاق”.
  • الحج: هناك طعام يعد للحجاج ما بعد عودتهم من الحج، حيث يقوم الجيران والأقارب والأًصدقاء بدعوتهم على الغداء وتعرف هذه العادة بـ “الدورية” وقد تستمر لمدة شهرين، وتكون الوليمة في العادة منسف برغل ومريس ولحم وشراك، ولا يوضع الرأس أمام الضيف الأساسي في المناسبة بل قطعة أكبر وهي الفخذ ويسمونها “الشذاة”.
  • الصوم المسيحي:

خلال أربعين يوماً من الصيام، تتشكل مائدة كاملة لا تحتوي على اللحم بكل أنواعه ولا الحليب ومشتقاته، ويعتقد أن هذا الصيام الفلاحي من شأنه الحفاظ على الثروة الحيوانية خلال فترة الربيع وحمايتها من الذبح، إضافة لترك الحليب لرضاعتها، يحدث ذلك في الوقت الذي تفيض فيه الطبيعة بالأعشاب والنباتات المناسبة للأكل، وتدعم أطباق الأعشاب بالحبوب، ومن الأكلات الأردنية النباتية المناسبة للصوم “صيامية” والتي يستخدمها الجميع في تلك الفترة في الواقع، حوسات البصل والزيت مع الخبيزة أو الفطر، أو الكما، أو العكوب، أو الحميصة، أو الهندبة، أو السلق، أو اللوف، وكذلك سلطة العلت مع البصل والزيت، وسلطة فريم البندورة والبصل مع السماق، والنباتات النيئة كاللشيلوه (حويرة الماء)، وقرون القصيقصة، وقرون البرّيد والخرفيش، ومقالي الباذنجان، والبطاطا والكوسا والفليفلة، والفول الأخضر بالسماق، قلاية البندورة بالزيت، ورقة الدوالي أو ورقة اللسينة الذي يلف بالأرز، أو البرغل الدفين مع الحمص وفريم البندورة والخضار، حوسة الفول الأخضر بالكزبرة والزيت، المجدرة، الأرز بالشعيرية، الأرز والفول الأخضر بالزيت، مرقة العدس المجروش، مدمس العدس الحب، طبيخ العدس والباذنجان بالزيت والثوم والبصل والبقدونس، وأقراص النعنع والزعتر الأخضر والحميضة والخبيزة، وقلية القمح وغيرها.

اربد 1939 الحصن صورة جميلة تجمع بعض الأهالي أمام الدير
  • عيد الميلاد:
    جرت العادة أن يتم عمل فطاير الكشك، بكميات تكفي لنحو يومين، مع إعداد أو شراء مختلف أصناف الحلويات وأقراص العيد التي تتكون من العجين الخامر المخلوط بالسمسم والقزحة وتصنع أرغفته على شكل قوالب جاهزة، وعند خبزه واخراجه من الطابون يتم دهنه بزيت الزيتون.
  • عيد الفصح:

كان الشخص القدير يقوم بذبح رأس من الغنم أو جدي ويتم إعداد طعام المنسف للعائلة، وقبل هذا العديد بثلاثة أيام فيما يعرف بخميس الصبيان جرت العادة أن يقوم خوري الكنيسة بعمل قدّاس يتضمن القراءة على قطع من الكعك غالباً ما تأخذ شكل الصليب ومن ثم توزع على الأطفال، أما قدّاس الأموات فيتكون من أرغفة خبز الكماج، ويطبع عليه آية من الإنجيل ترسل للخوري للقراءة عليها وتوزع يوم الأحد على المصلّين للترحم على الأموات.

  • الخاتمة:

ومن هنا نلاحظ ارتباط الغذاء الأردني بالعادات والتقاليد المتبعة خلال الفترات الزمنية التي يغطيها هذا البحث، سواء العادات المتعلقة بالمشاعر الانسانية والعلاقات الاجتماعية والطقوس الدينية، ونلاحظ بأن المجتمع الأردني قائم على التعاون والتماسك وتشارك التفاصيل، ويتأكد ذلك من خلال نوع المناسبات وطقوسها والتي تدلل على مجتمع يتقاسم فيه أفراده أدق تفاصيل الحياة بفرحها وحزنها.

  • المراجع:
  • حتّر، ناهض & أبو خليل، أحمد (2014) المعزّب ربّاح، منشورات البنك الأهلي الأردني. عمان: الأردن
  • خريسات، محمد عبد القادر (2012) المسيحيون في قضاء السلط، عمان، الأردن
  • العبادي، أحمد (1994) المناسبات عند العشائر الأردنية، دار البشير.
  • العزيزي، روكس (2012) معلمة للتراث الأردني، مطبعة السفير.

عادات الغذاء في الطقوس والمناسبات عند الأردنيين

  • تقديم ولمحة تاريخية

في اقتصاد انتاجي يعتمد على الزراعة والثروة الحيوانية في تشكيل الهوية الغذائية، برع الأردنيون عبر التاريخ في الزراعة مواجهين التحديات التي كانت السبب في تعطيل أي عملية زراعة وإنتاج سابقا، من كون معظم أراضي الممالك الأردنية القديمة كانت غير خصبة بما يكفي للزراعة، إلى جانب قلة الأيام الماطرة خلال العام والموسم الشتوي، فتشير الدراسات أنه ومع بداية نشأة المملكة النبطية كانت عملية الزراعة والفلاحة عاديّة وناتجها بالكاد يغطي الاحتياجات، لكن الأردنيين الأنباط عملوا على تطوير الزراعة وتقدمها استجابة للتزايد في عدد السكان، حتى أصبحت من أهم حرفهم والمصدر الرئيس للحصول على الطعام وتشكيل الهوية الغذائية.

 ولم يكتف الأردنيون الأنباط بالاستثمار والزراعة في أراضي أدوم ومؤاب الخصبة، بل زرعوا كل زاوية واستصلحوا الأراضي في حدود مملكتهم الأردنية التاريخية، حتى أصبحت “بترا” أكثر من مركز تجاري للقوافل بل تحولت إلى مركز لمنطقة زراعية تصدر الفائض عن حاجتها، بفضل قدرة الأردنيين الأنباط على التعامل مع الأراضي القاحلة وتحويلها إلى مستقرات دائمة صالحة للزراعة حتى أنهم توسعوا إلى وادي عربة وصولاً للنقب، متبعين العديد من الأساليب الزراعية التي تضمن استخدام نظام المصاطب التي تعمل على تصريف المياه وتوجيهها بشكل يعمل على إبطاء سيلان مياه الأمطار،  وبالتالي منع انجراف التربة، مما يتيح المجال لكروم العنب والنباتات المزروعة بامتصاص الرطوبة والاحتفاظ بها لأكثر وقت ممكن، وبالنتيجة تمكن الأردنيون الأنباط بين حوالي القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي من انتاج القمح والشعير، بالإضافة لأنواع أخرى من الحبوب إلى جانب الزيتون والبلسم وكروم العنب.

ولما كان ناتج الموسم الزراعي وفيراً بالحد الذي يسمح بتخزينه حتى المواسم القادمة أو استخدامه طوال العام أو حتى إعادة تصديره وبيعه أو مقايضته بسلع أخرى مع القادمين لعاصمة التجارة العالمية في ذلك الوقت “بترا”، فقد برزت الحاجة لتطوير أساليب حفظ وتخزين هذا الناتج والحفاظ عليه بحالة جيدة سواء بإبقائه كما هو، أو بإعادة معالجته بشكل يسمح بتخزينه للاستفادة منه في وقت لاحق، وفي هذا تأكيد على ترسخ قيم الانتاجية من خلال الحرص على عدم الهدر والإسراف والتبذير، ونستعرض في هذا البحث أبرز طرق حفظ الناتج الزراعي والمواد الغذائية لدى الأردنيين في كل المناطق.

  • نملية-خزانة المونة، ماذا يتضمن صندوق الاحتياط الغذائي الأردني؟

ظلّت ثقافة تخزين المونة سائدة في المجتمع الأردني، حتى وان تراجعت مع وصول الكهرباء التي ساهمت بتوفير بدائل لتخزين الناتج الغذائي مثل الثلاجات والبرادات الخاصة بتجميد الطعام، إلى جانب تنوع طرق الإنتاج ووصول البيوت البلاستيكية والمعلبات التي تتيح فرصة الحصول على كثير من الأصناف الغذائية طوال العام، مما أدى لتراجع أهمية طرائق التخزين لكن معظمها ما يزال مستخدماً حتى الآن، فتجد أن الأسرة الجيدة تخزّن في خابية البيت أو ما يسمى النمليّة ما يكفي لتغطية احتياجات المنزل الغذائية لأوقات تصل حتى سنة أو نصف سنة، وتتنوع محتويات هذه المؤونة فتجد فيها الجميد والسمن واللبنة المحفوظة بالزيت والكشك والقمح للطحين ومشتقات القمح من جريشة وفريكة وبرغل، وعدس، وحمص، وخضروات مجففة، وبصل ناشف وبندورة مقطنة، وكوسا وباذنجان منقورة ومغسولة بالماء والملح ومجففة، ودوالي مجففة، ورمان، ومكدوس الباذنجان المحشو بالجوز والمحفوظ بالزيت، وكبيس الزيتون (الرصيع)، ومعاقيد المشمش والخوخ والتفاح والسفرجل، ومنتجات العنب – خبيصة وزبيب وعنبية ومدقوقة ودبساً وخلاً- وقُطين التين، والعسل البري والجوز واللوز والزعتر الناشف والسمسم المحمّص والنعنع والميرمية وغيرها، ومعظم هذه المنتجات تنتجها الأسرة الأردنية أو تشتريها من الأقارب والمنتجين المحليين مباشرة، كما أن هناك مواد مستوردة كالأرز والسكر والشاي والبن والتمر والفستق، خابية المونة المتعددة الأصناف هذه تنوّع خيارات المائدة حتى في الشتاء القاسي ولياليه الطويلة، أما في الربيع والصيف ومواسم الحصاد والإنتاج، تتزين المائدة الأردنية بالأطباق المعدّة من الحليب ومنتجاته الطازجة والخضروات والفواكه الطازجة والأعشاب الموسمية والنباتات البرية، وسنتعرف في هذا البحث على أبرز ملامح عملية الحفظ والتخزين التي ساعدت في تنوع واستمرار المطبخ الأردني على مدار الفصول.

نملية
  • الحفظ والتخزين كجزء من النظام المعماري الأردني

عند الحديث عن موضوع حفظ وتخزين الطعام لا بد من التطرق لطبيعة نظام البناء في البيوت الأردنيّة القديمة، وهو أمر له جذور تاريخية حيث كان الأردنيون القدماء المستقرين في عين غزال في مرحلة الانسان المزارع من أوائل من بنوا المنازل الحجرية والدائرية والمنازل من طبقتين بحدود الألف السابع قبل الميلاد، وخلال العصور تنوعت أشكال البناء والاستقرار تبعاً لظروف الحياة واضطرار الأردنيين للتحول من الاستقرار للترحل بفعل الأحداث والظروف السياسية كما في عهد الاحتلال العثماني مثلاً حين تحولت الكثير من العائلات والعشائر الأردنية من الاستقرار في بيوت طينية وحجرية نحو البداوة والترحال الدائم هرباً من بطش الاحتلال العثماني وملاحقته لهم نتيجة عجزهم عن دفع الضرائب.

خابية وكواير

ومن أهم النماذج على شكل البيوت الأردنية في تلك الفترة هي المُغر – المغارات – التي صنعها الأردنيون في عدد من المدن الأردنية [1]، ويقدر عمرها بحوالي 200 سنة، ويمكن بالنظر للتصميم الداخلي لهذه المغارات أن نلاحظ كيف تم تقسيم البناء، مع تخصيص أماكن للمواشي والدواب بعيدة عن غرف المعيشة والنوم، في حين يتم مراعاة وجود أماكن للتخزين، ويلاحظ استخدام الطين في الأثاث المنزلي من خلال الرفوف، والمطوى المخصص لترتيب المفارش والأغطية، وكذلك فتحات خزائن المطبخ المبنية من الطين وهي ذات تصميم فريد يتكون من 16-20 فتحة لحفظ الأطعمة وأدوات المطبخ، وفي الزوايا يوجد ما يشبه “الكورنر” الذي يعتبر جزء من الديكور المعاصر حالياً، والجزء الأهم هو ما يعرف بالكواير التي تتنوع أشكالها وأحجامها واستخداماتها تبعاً للمنطقة ونوع المخزون، وتواجد هذه الكواير في قسم الإقامة والمبيت الذي يوجد المطبخ في جزء منه، كما توجد أقسام خاصة من الكواير في قسم المواشي والدواب لتخزين الأعلاف والتبن، وسنتناول في الأجزاء القادمة من هذا البحث أشكال واستخدامات وتسميات هذه الفتحات والأماكن المخصصة للتخزين والحفظ .

السلط 1920 صورة لعائلة سلطية وتعتبر الصورة مرجعا لطبيعة الحياة اليومية لأجدادنا ونظام البناء الداخلي لبيوت السلط القديمة
  • حفظ وتخزين الحبوب

بعد مواسم الخير والحصاد والتي تتوج مراحل العملية الانتاجية الزراعية للحبوب والتي تم تناولها بالتفصيل في بحث سابق، يتم تخزين الفائض من الحبوب لاستخدامه طوال العام حيث أوضحنا في بحث سابق كيف تحتل الحبوب مكانة ذات أهميّة في المطبخ الأردني، ويتم تخزين هذا المخزون في ما يعرف بـ “الخوابي”، و “الكواير” ومفردها “خابية” و “كوارة” على الترتيب، وهي عبارة عن بناء داخل المنزل بارتفاع مترين وعرض حوالي مترين وأكثر، وبناء هذا الكواير في عدة مناطق أردنية مثل قرية “ضانا” يعتبر من مسؤولية المرأة الأردنية والتي تقوم ببنائها من الطين الذي يحتوي نسبة عالية من الصلصال والمتعارف عليه في. المنطقة باسم “طين السّمقة”، وتستوعب الكوارة الواحدة من خمسة الى ستة شوالات من الحجم الكبير ما يعادل حوالي 500-600 كغم، وفي الشمال كانت الكواير تبنى كجزء من سقف المنزل، حيث كانت البيوت الطينية تبنى على القناطر وبين كل قنطرتين زوج من الكواير، وللكوارة باب علوي يسمى “طرنافة” يصب منه القمح، وباب سفلي صغير تؤخذ منه الكمية اللازمة للاستهلاك اليومي، ويتم اغلاقه بقطعة قماشية تسمى “كبتة”، وفي البيوت الكبيرة متعددة القناطر كان يتم تقسيم الكواير بحيث تكون كل واحدة منها لصنف معيّن من الحبوب، وللوصول إلى الكوارة من أعلى تصعد المرأة على السلّم وتقوم بتنظيفها بواسطة مكانس من القش، وظهرت في فترات لاحقة كواير الخشب التي أصبحت أكثر شيوعاً.

ومع اختلاف الظروف الجغرافية والاجتماعية وحتى العوامل السياسية اختلفت وسائل وأدوات التخزين، ففي الشوبك مثلاُ كانت القلعة ملاذاً للأهالي وما يملكون في مشهد يوضح تماسك النسيج الاجتماعي الأردني خصوصاً في حالات الخطر والتهديد الخارجي والذي كان شائعاً خلال فترة الاحتلال العثماني من الجيش التركي والعصابات التابعة له أو التي يقوم بتحريضها على إثارة الفوضى، فلجأ الأهالي في الشوبك الى تقسيم القلعة لـ “عقود”، حيث تمنح كل عائلة عقد تخزن فيه الغلال المنقولة من البيادر بواسطة “العدول” المصنوعة من الصوف والشعر، ثم يتم تفريغ الحبوب في الكواير المصنوعة من الطين، وتغلق أبواب القلعة لحمايتها.

في حين لجأ الأهالي في وادي موسى لتخزين الحبوب في الخربة وهي القرية المبنية من الحجارة في المنطقة، واستخدموا لهذه الغاية نوعاً خاصاً بهم من الكواير البرميلية المبنية من الطين المخلوط مع التبن أو الأحواض المستطيلة او المربعة، وتتشارك المرأة مع الرجل مهمة بناء الكوارة التي تتسع لما يتراوح ما بين 40-80 صاعاً، وتغطى الكوارة باستخدام غطاء مصنوع من الطين والتبن أو قطعة من القماش أو شوال من الخيش، ويتم عادة ترك فتحة صغيرة في أسفل الكوارة لاستخدامها في اخراج الحبوب حسب الحاجة، وكانت معظم الأسر تمتلك بيتاً للتخزين أو تقوم باستئجار أماكن للتخزين إما مقابل كمية من القمح أو حتى بلا مقابل فيما يتعارف عليه محلياً بمفهوم “العونة”.

وفي أقصى الجنوب الأردني، يقوم الحويطات بتخزين الحبوب في حفرة يتم حفرها بعمق يتناسب مع كمية الحبوب المراد تخزينها، ومن ثم رشها بالماء بعد انتهاء الحفر لتصبح سطوحها الداخلية صلبة وملساء مستوية،، ثم توضع الحبوب بداخل ما يعرف بـ “المطامير” ومفردها “مطمارة” ومن ثم يتم إضافة طبقة من التبن ومن فوقها التراب ويتم الضغط على المطمارة حتى يستوي التراب مع ما حوله، ويترك البدو هذه المطامير بدون حراسة حيث لا داعي للقلق من هذه الناحية فسيكون من الصعب على أحد غيرهم تمييز موضعها، ومن الطرق الأخرى حفظ الغذاء في المغر التي كان يتم إغلاقها بالحجارة والطين مع قيام صاحب المخزون بوضع ختم خاص به على باب المغارة من خلال ترك أثر يده بالطين، ومن التقاليد المرعية عدم كسر ختم المغارة الطيني إلا من قبل صاحبها، وكانت الحبوب التي تزيد عن حاجة الأسر لدى بدو وادي رم، تخزّن في “الطيران” ومفردها طور وهي صخور طبيعية تسمى “مصن”.

وتختلف الكواير والأحواض في معان عن سواها حيث تتشكل الأحواض من جدران يصل ارتفاعها إلى نصف متر وبمساحة تصل إلى أربعة أمتار مربعة، في حين تأخذ الكواير الشكل الدائري وتبنى على عدة مراحل تستمر عدة أيام وتكون من مهمة المرأة، وعادة ما تكون بحجم برميلين، وتتسع لخمسة شوالات من القمح أي ما يعادل حوالي 500 كغم، وتغلق بغطاء طيني أو من القماش أو حتى بلوح معدني أو خشبي، وكانت هناك نساء معروفات متخصصات في بناء الكواير مقابل أجرة معينة وهو ما يؤكد مكانة المرأة ودورها المهم في الاقتصاد الانتاجي الاردني.

ومع التحولات التي عاصرتها المنطقة ما بعد التحول من مرحلة الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية تأثرت المدن الأردنية بهذا التحوّل وانعكس ذلك على أسلوب الحياة الذي أصبح أكثر تنوعاً، فمثلاً لم يعد هناك حاجة للقيام بإعداد الخبز إلا في حالات نادرة أو لأنواع خاصة من الخبز غير المتوفر في المخابز، ولا حاجة للتحطيب فالحطب متوفر في الأسواق، وكذلك الحال في الحبوب المتوفرة في المحال طوال العام، إلا أن الكثير من الأسر الأردنية بقيت تقوم بتخزين الحبوب في كميات تغطي احتياجاتها للفترة المقبلة، فكانوا يخزّنون الطحين في براميل خشبية سعة الواحد منها شوال ونصف، أما البرغل فكان يقسم إلى نوعين، الخشن لعمل المجدرة، ويخزن في خرايط قماشية بيضاء اللون مع إضافة الملح وتركه في مكان جاف، والبرغل الناعم يتم تخزينه في مرطبانات من الزجاج.

عملية اعداد وتخزين الجميد
  • حفظ مشتقات الحليب:

نأتي هنا الى مشتقات الحليب والتي تعتبر المكون الغذائي الثاني في المطبخ الأردني بالتشارك مع الحبوب، وتبدأ العملية منذ لحظة حلب الأغنام والتي تتم عادة من خلال شبق الغنم وهي مرحلة يتم فيها صف الغنم بصفين متقابلين بشكل مائل من خلال استخدام حبل مغزول من الصوف في عملية كانت تشبه ما يعرف بخطوط الإنتاج الحالية في المزارع والمصانع، ويتم الحلب في وعاء من النحاس غالباً، ويتم تفتير الحليب ووضع “روبة” اللبن للحصول على اللبن الرائب في عملية تأخذ نهار كامل في فترات الشتاء بينما تحتاج حوالي 3 ساعات في الصيف، وبعد ترويب اللبن يتم خضه في ظٌبية مصنوعة من الجلد، لفصل الزبدة عن اللبن المخضوض وتنتج بذلك الزبدة والشنينة، وتخزن الزبدة في “نصيّة” وهي وعاء مصنوع من التنك المعدني، أو يتم تخزينها في المزبد والذي يصنع من جلد الكبش ويتسع أحياناً لأربع تنكات –تبعاً لحجم الكبش-، ويحرص على عدم دخول الهواء للمزبد وإضافة الملح والورص (الكركم) إلى الزبدة لحفظها، أما السمنة فتصنع بتذويب الزبدة على النار وتركها لتصفى عن اللبن مرة أخرى، ويتم إضافة البرغل الخشن والورص والملح، وتُغلى مرة أخرى حتى الاستواء وتترك لترقد ثم توضع في أوعية زجاجية تعرف بالمرتبانات او القطرميزات.

 وتستمر عمليات المعالجة المتكررة للحصول على المزيد من المنتجات، فيتم صنع اللبن الجامد من خلال وضع الشنينة في أكياس قماشية مخصصة لهذه الغاية ، وتركها لعدة أيام حتى يقطع منه المصل، ويتم الحصول على اللبن الجامد (اللبن المكروت) الخالي من الدسم (بدون زبدة)، ويتم استخدام هذا اللبن في إعداد “اللبنة المدحبرة” والتي يتم تخزينها بإضافة الزيت والملح وتركها في أوعية زجاجية، أو من خلال “تنطيل” اللبن أي عمله على شكل أقراص دائرية تترك على طاولات خشبية وقطع من القماش تحت الشمس حتى يجف وينتج بذلك الجميد ويكون هذا في فترة الربيع، أما الكشك فعادة ما يصنع في فترة شهر حزيران ما بعد انتهاء عملية التعزيب والحصاد، فيتم خلط البرغل باللبن المنزوع الدسم (المكروت/المخيض) ويطبخ ويترك في وعاء، ثم يترك الخليط مغطى لمدة يومين ومن ثم يتم عرضه على الشمس لمدة يومين حتى يجف، في حين استعمل الأردنيون الجبنة المالحة كوسيلة للحصول على الجبن طوال العام من خلال استعمال المساة المأخوذة من معدة وليد النعجة بعد تمليحها وتجفيفها لمدة أسبوع تحت أشعة الشمس، ومن ثم توضع في قطعة من الصوف وتضاف هذه القطعة إلى الحليب الموضوع على النار ويتم مرس القطعة في الحليب حتى يفتر، ثم يغطى القدر حتى تدور الجبنة فيه عندها تسكب في قطعة من القماش وتوضع على طاولة ذات سطح مستوي مع إضافة ثقل فوقها حتى ينقطع المصل، ومن ثم يفتح الكيس ويتم تفريض الجبنة من خلال تقسيمها الى قطع متساوية ومتناسقة، ثم يتم تمليحها وتركها أسبوعاً ليتم بعد ذلك غليها وكبسها وتخزينها في أوعية معدنية خاصة بذلك تعرف بالـ “نصيّة”.

  • حفظ النباتات والخضار والفواكه:

لتخزين الخضار في فترات ما قبل ظهور التبريد والتجميد، لجأ الأردنيون لتجفيفها كوسيلة لحفظها لاستخدامها في غير موسمها، فعلى سبيل المثال كان يتم تجفيف البندورة بعد أن تسطح من الوسط ويتم تمليحها، وتخزن في أكياس قماشية بعد أن تجفف وتعلّق هذه الأكياس على جوانب البيت، وكذلك فيما يتعلق بالكوسا التي كانت تقطّع الى دوائر وتُملّح وتطبخ حوساً مع البندورة في الشتاء، ويتم تجفيف البامية ووضعها على شكل قلائد يتم تعليقها حتى تجف وتطبخ مع البندورة في الشتاء، كما يتم صناعة رب البندورة بتقطيع حباتها وعجنها وعصرها وتصفيتها من البذور والشوائب مع إضافة الملح وغليها على النار حتى تصبح معقوداً ثم تعبأ في مرتبانات وتخزن لتستخدم عند الحاجة، كما تتم صناعة المكابيس والمخللات من زيتون وخيار وفقوس وباذنجان وغيرها.

قلائد بامية مجففة على شكل “عقد” من إعداد احدى سيدات حوران الأردنية
نعنع يتم تعريضه للهواء بهدف تجفيفه وحفظه لاستعماله طوال العام
  • حفظ الفواكه بالتسكير (المربيات والتطالي):

وإلى جانب التجفيف الذي كان يعتمد على الملح، كان يتم الاستعانة بالتسكير وهي طريقة حفظ الغذاء بإضافة السكر والشيد، وهي وسيلة إنتاج المربيات والتطلي من عنب وتين ومشمش وغيرها من الفواكه والثمار التي تحفظ بعد غليها على النار لفترات محددة وفصل الثمار عن العناقيد و/أو هرسها وإضافة كميات من السكر وتركها حتى تتماسك وتشتد ويتم تخزينها في مرتبانا،  كما تتم صناعة المعاقيد بتركها تغلي مع اسكر حتى تتماسك وتشتد مثل معقود التين ودبس الخروب والرمان ، فتتم صناعة دبس الخروب من خلال تنشيف الثمر وطحنه على الحجر وغليه حتى يصبح دبساً، وكذلك الحال مع الرمان الذي يتم عصره وغليه حتى يشتد، أما الليمون فيتم تخزينه في التبن ويتم رشه بالماء حتى لا يجف ويفسد.

مربيات صناعة منزلية من سيدات أردنيات من 6 محافظات أردنية ، تجدونها متوفرة في دكانة مطعم ارث الأردن
  • حفظ اللحوم:

ورغم أن اللحوم لم تكن جزءًا من الغذاء اليومي لدى عموم الأردنيين وكانت تستخدم بشكل طازج لغاية المناسبات الهامّة التي تم توضيحها في بحث سابق، الا أنه جرت العادة على تخزين اللحوم لحين الحاجة إلى استخدامها، ومن طرق تخزين اللحوم “القشيم” حيث تفرك اللحوم مع الدهن ويضاف لها قليل من الملح ويتم غليها على النار ومن ثم يتم تخزينها في مرطبان، وكذلك طريقة “الزربة” أو “الدفينة” والتي تتلخص بطبخ اللحم الفائض حتى ينضج ويبرد ويحفظ في “سعن” وعند الحاجة يتم استخدام الكمية اللازمة لإعداد الأطباق، وفي بعض المناطق يتم طبخ الذبيحة كاملة بدهنها، ووضعها في جرة وحفظها للاستخدام اليومي، فيما يسمى بالـ “قاورما”، وكان البعض يسلق اللحم بالماء حتى ينضج ثم ينشر اللحم على ظهر بيت الشعر “الشقاق” حتى ينشف، ولا تؤمن هذه الطريقة دوام اللحم سوى بضع أيام وتعتبر هذه الطريقة قليلة الشيوع وتستخدم عندما تقع إحدى الماعز ويتم ذبحها قبل أن تنفق.

وكانت تتم الاستفادة من كل أجزاء الذبيحة تقريباً، فالنساء كن يدبغن الجلود من خلال إضافة الملح لها وتجفيفها بعد تنظيفها من الدهون التي علقت بها، ثم يضعن الصفة (الرماد) فيه ويتم قلبه بحيث يكون الصوف أو الشعر إلى الداخل ويترك يومين أو ثلاثة ثم يفتح بعد ذلك ويكون نزع الصوف أو الشعر عنه أسهل، ويكشط بقايا الشعر المتبقي بسكين حادة وهكذا حتى ينظف الجلد تماماً من الدهون والشعر ويغلى الجلد مع قشر اللزاب أو جذور السنديان، حسب الغاية من الاستخدام (خافة أو ظبية أو سعن أو شكوة) أما اذا كان لصناعة الجاعد فإنه يملح فقط وينظف في الغالب بدون دباغة.

 ورغم عدم توفر كميات كبيرة من الأسماك نتيجة محدودية المناطق البحرية في الأردن، الا أن الأردنيين في العقبة كان لهم كلمتهم وطريقتهم في حفظ الأسماك واللحوم وتخزينها سواء للاستخدام الذاتي أو حتى لنقلها وبيعها للمناطق الأخرى من خلال وضع السمك في براميل خشبية مطلية من الداخل بالإسمنت، مع إضافة كميّات كبيرة من الملح داخل البرميل والذي يغلق بإحكام، وبهذه الطريقة يمكن حفظ السمك لمدة تصل لحوالي العام.

المراجع:

  • حتّر، ناهض & أبو خليل، أحمد (2014) المعزّب ربّاح، منشورات البنك الأهلي الأردني. عمان: الأردن
  • خريسات، محمد عبد القادر (2012) المسيحيون في قضاء السلط، عمان، الأردن
  • العبادي، أحمد (1994) المناسبات عند العشائر الأردنية، دار البشير.
  • العزيزي، روكس (2012) معلمة للتراث الأردني، مطبعة السفير.

[1] كتاب المعزب رباح ، صورة ونموذج بناء مغارة أبو خضر في السلط ص 224

تخزين وحفظ الناتج الغذائي في الأردن

Scroll to top