القراءة: من التجارة إلى التشكيل الاجتماعي

ebraheem-ghraibeh

ابراهيم الغرايبة

القراءة تبعت الكتابة. ولم تكن الكتابة في بدايتها لأجل الشعر والفلسفة والعلم، ولكن لتنظيم العمليات التجارية؛ وذلك عندما اكتشف الآراميون أنه يمكنهم أن ينشئوا موارد إضافية بنقل السلع من مكان إلى آخر ومبادلتها بأخرى، أو بتطوير الأغذية والمواد المتاحة إلى سلع أخرى ذات قيمة مضافة (الصناعات الغذائية وأساليب تخزينها ومعالجتها والنسيج والصباغة والدواء..)، أو بإنتاج تقنيات جديدة تطور الأعمال اليدوية (السيوف والعربات والسفن الكبيرة وتدجين الجمل..). وقد نشأت حول هذه الموارد مدن وحضارات، وجدت أهميتها ومواردها بالدواوين، وأنظمة إدارية وتشريعية تحتاج إلى كتابة وتوثيق. ثم أنشأت الوفرة مجالا للشعر والفلسفة والعلم.

كانت القراءة الشائعة تتم بصوت مسموع. وقد تعجب القادة والجنود المحيطون بالإسكندر كيف يقرأ بصمت! ويصاحبها في أحيان كثيرة المشي. وبالطبع، ما تزال القراءة بصوت مسموع والمشي يساعدان أكثر على التفكير والتركيز. ويقال: من يفكر كثيرا يجب أن يمشي كثيرا.

وقد تميز العرب والصينيون في العصور الوسطى بحب الكتب والقراءة والمكتبات والولع بها. وفي التاريخ العربي أخبار وقصص كثيرة، طريفة وعجيبة، في عادات القراءة التي تحولت من عادة نخبوية، إلى اتجاه اجتماعي شعبي جارف. وقُدرت متاجر الكتب والنسخ “الوراقة” في بغداد في القرن الرابع الهجري، بحوالي مائة. وكانت تنافسها قرطبة؛ مدينة العلم والشعر، حتى قيل إن في كل بيت في قرطبة شاعرا!

وقد أدى تطوير صناعة الورق في القرن التاسع الميلادي إلى ثورة معرفية. فقد كانت الكتابة قبل ذلك على الجلود (الرقّ) والبردي والطين والحجارة والخشب والعظام والنحاس والمعادن؛ وهي بالطبع عملية معقدة ومكلفة جدا. فالكتب التي كانت غالبا ألواحا أو لفائف من الجلد، تحتاج إلى موارد عظيمة وجهود كبيرة. لنتخيل، مثلا، كتاب الفلاحة النبطية الذي ألفه في القرن الثاني الميلادي قثامى الكسداني، وقال عنه حفيده، بعد ثمانمائة سنة؛ ابن وحشية الكسداني، إن الكتاب عبارة عن ألف وخمسمائة صفحة أو لوح من الجلد، كل صفحة مستقلة بذاتها. وفي القرآن وصف للكتب السماوية بأنها “وكتاب مسطور في رقّ منشور” أو “صحف إبراهيم وموسى” أو “ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة”.

وكان الطبيب الروماني آنتيلوس، في القرن الثاني الميلادي، يعتقد أن من لا يحفظ الأشعار عن ظهر قلب، وإنما يرجع إلى الكتب، لا يستطيع التخلص من العصارات السامة الموجودة في جسمه إلا بمجهود كبير، وبواسطة تعرق فوق العادة؛ في حين أن الناس المتمرنين على التخزين في الذاكرة، يطردون هذه العصارات السامة عبر الزفير.

القراءة بصوت مرتفع، والقراءة بصمت، والقدرة على تخزين المفردات؛ كل هذه قدرات مدهشة تعلمناها بطريقة لا يمكن تفسيرها.

الغد