نخيل العقبة: قصص وذكريات محملة بعبق التراث وجودة الثمار

11162078_1638355806397851_9216414799347690553_n

مقال منشور بصحيفة الغد بتاريخ 31122007 لأحمد الرواشدة يداعب فيه فكرة الإرث الخاص بالعقبة نعيد نشره للتحفيز على الحفاظ على حفاير النخيل بالعقبة لقيمها التاريخية والاجتماعية والجمالية وكإرث بيئي وكمنظر طبيعي من الإرث الوطني, ولارتباطها بإرث الأنشطة كفلكلور روائي وثقافي.

أحمد الرواشدة

حين كانت العقبة قرية صغيرة تغفو على شاطئ البحر الأحمر منذ ثلاثة آلاف عام، عُرف النخيل مصدرا لصناعة بسطها وسلالها، ومن لحائها جدلت حبال قوارب الصيادين في رحلتهم نحو صيدهم في عباب الأحمر، وإذا كان للعقبة، ما تفتخر به، من بحرها وشاطئها وفنادقها ومرجانها وأسماكها، فإن نخيلها أيضا، مصدر حب أهلها وفخرهم، فهو طعام برهم.

شجرة النخيل هي توأم مدينة العقبة التي ولدت معها، فهي من أقدم شجر المدينة، وواحدة من معالم تراثها وكانت رأسمال اقتصاد سكانها، إضافة إلى ما تجود به رحلات صياديها اليومية في غزوات البحر.
تعود علاقة أهل العقبة وارتباطهم بالنخل وزراعته إلى عهود سحيقة، ومنذ ثلاثة آلاف عام تقريبا، بحسب مؤرخين وباحثين، وكشفت الحفريات الأثرية في”تل الخليفي” غرب المدينة عن وجود أجزاء من حبال مصنوعة من نسيج النخيل تدل على استخدامها في صناعة قوارب الصيد، وبعد انتقال المدينة من موقعها الغربي إلى الشرق “موقعها الحالي” نقل أهالي العقبة نخيلهم إلى هناك فقاموا بزراعته على الشاطئ الشرقي من ساحل البحر.

يقول احد المسنين في العقبة إن “النخلة تحتل مكانا مميزا في تراث أهل المدينة، فهي الشجرة التي يستطيبون ثمرها ومنها يصنعون بسطهم، وهي طعام وفاكهة البر بالنسبة لهم، ترفد ما يجود به بحرهم وماؤهم”.
ويرى الباحث في تراث العقبة عبدالله المنزلاوي أن “النخلة جزء من حياة العقباوي، وهي مع البحر تشكل أساس حياته كلها”، ويضيف أن أهل المدينة لم يكتفوا بزراعتها في بساتينهم، التي كانوا يسمونها “الحفيرة”، بل زرعوها في وسط بيوتهم.

ويضيف “احتلت النخلة مكانتها في قلوب مواطني المدينة، فأطلقوا عليها أفضل أسماء النساء، فنادوها بليلى، وصبحة، وزهرة، وسلمى”، وهكذا بحسب المنزلاوي لم تكن النخلة مجرد زينة في بيت العقباويين، وشوارعهم بل احتلت مكانا في المنزل، ويزيد الباحث الذي أرخ للمدينة وتاريخها “انك لا تكاد ترى زاوية إلا وفيها النخلة أو بعضا منها”، ويستدرك قائلا “ولم لا؟، فهي ظل البدوي قديما في ترحاله، ورطبه الجنية في إقامته، وهي المتاع والأثاث والرياش، فمن سعفها صنع سلال طعامه، وأدوات صيده، ومتاعه، ومن سعفها بنى بيته وعريشه”.

وبحسب مواطنين في المدينة، فإن العقباويين يتفننون في تخزين التمر والرطب، ويحفظ أهل المدينة تمرهم بكبسه ووضعه في السلال و(المراجين) ليكون مؤونة لشتائهم، وتتعدد الصناعات المستخرجة من التمر، فمنه العجوة والتي تخلط بالزعتر والتوابل والسمن والزبد، كما ويصنع منه أيضا الدبس والمعقود والكعك وغيرها من ألوان الأطعمة والحلويات.
ويحفل تراث العقبة بقصص عن النخل ومدى تعلق سكانها به ورعايتهم وإكرامهم لها، حتى أصبح تعلقهم بالنخل جزءا من التراث المحكي في المدينة، حيث يتداول الناس هنا رواياتهم عن فلان؛ الذي لم تثمر نخلته منذ رحيله عن الدنيا، او عن تلك التي لم تصبر على فراق صاحبها فرحلت عن الدنيا برحيله. على ان سقوط النخلة بفعل الرياح أو ظروف أخرى، ليس نهاية مطافها بالنسبة للعقباوي، فإذا ما مالت النخلة، أو سقطت يسارع صاحبها فيحملها إلى بيته، فيعالجها ويغرسها لتحيا من جديد. ويتداول مسنون في العقبة مواساة الناس بعضهم بعضا بوفاة نخلة، وينتظر (العقباوي) التمر من نخلته كما ينتظر المولود، فإذا ما بدت الثمار بالظهور أسرع إليها فقلمها ولقحها بالطلع واعتنى بها حتى ينضج تمرها، ويتحول موسم جني التمر في الصيف إلى عيد وعرس فولكلوري، حيث يعد أهالي العقبة العدة لهذا اليوم ويتجهزون له قبل أيام من قدومه، وإذا ما أشرقت شمس ذلك اليوم خرج الجميع إلى حفائرهم واصطحبوا النساء والأولاد والطعام والسلال، فيتسلق الرجال النخيل وتنشغل النساء بإعداد الطعام ويتراكض الأطفال في الحقول فرحين بهذا العيد، وبعد قطف التمر يتم تجميعه على الحصر، ثم فرزه حسب نوعه وحالته وبعد ذلك يتم تقسيمه على الورثة والشركاء حسب التقاليد المتعارف عليها، وبعد تقسيم التمر يحمل كل واحد نصيبه في سلاله ثم يتفقد جيرانه وأصدقاءه وأقرباءه ممن لا يملكون نخيلا فيدفع إليهم جزءا من نصيبه ثم يتهادون ويتبادلون التمر بينهم، وقد يستمر موسم القطاف عدة أيام، وبعد ذلك تبدأ مرحلة الفرز والتصنيع والتخزين.

ولم يكن موسم القطاف هذا يقتصر على (العقباوية) فقط بل كان يتعداهم إلى جيرانهم من اهل البادية، فهم شركاء أهالي العقبة في النخل، وفي موسم القطاف يتوافد البدو من الصحارى والبوادي المجاورة فيجتمعون في العقبة ويضربون خيامهم وسط المدينة في (سيح أبو سلامة) وهي ساحة وسط النخيل والمنازل، ويوقدون الضيوف نيرانهم ويجتمع أهالي العقبة معهم ويستضيفونهم لعدة أيام، يحيون خلالها ليالي الصيف بالرقص والغناء والسامر والدحية والرفيحي والعزف على الربابة والسمسمية فيتحول موسم قطاف البلح إلى عرس فلكلوري رائع، ويمثل موسم جني التمر مناسبة لاهل العقبة وجيرانهم، للتجارة والبيع، يأتي البدوي بسمنه وماشيته وصوفه فيبيعها لأهالي العقبة ويشتري بأثمانها القماش والأرز والطحين وغيره، كما كانت تعقد في هذا الموسم التقليدي الصفقات التجارية فيفك الراهن رهنه ويبيع البدوي جزءا من بضاعته. وفي الموسم تبرم العهود، وتوثق، وتعقد جلسات الصلح وتسوى الخلافات وتطيب الخواطر، وبعد قطاف البلح يتقاسم الشركاء نصيبهم حسب ما يتفقون عليه فيحمل البدوي تمره ويطوي خيمته ويطفئ ناره وينطلق عائدا إلى مضاربه منهيا بذلك هذا العرس الفلكلوري الجميل، على أمل العودة في العام التالي.

أحب الصياد (العقباوي) النخلة فهي أنيسته في سفره، ففي رحلة صيده تكون البداية من تحتها، يترك جزءا من طعامه ومتاعه تحتها، يحمل بعضه الآخر من تمر وحبال وسلال، وهي آخر ما يودعه من أهله عند ذهابه لرحلة صيده، حيث يجلس تحتها فيجمع متاعه وشباكه استعدادا للصيد، وإذا ما انطلق بسفينته كانت بوصلته في عرض البحر، وإذا ما عاد من صيده، ينزل تحتها متخففا من أعباء، رحلة صيد طويلة.

ولأهالي العقبة مواقف وقصص تراثية مع النخلة يتوارثونها عبر أجيالهم، ومن هذه التراثيات أن تجد (العقباوي) يحدث نخله أو يداعبه، خصوصا عندما يحرث الأرض أو يسقي الزرع، فتراه يغني ويتغزل بنخلته كأنها فتاة أحلامه، ومن أطرف ما روي في تراث أهالي العقبة عن ذلك أنه عندما لا تثمر النخلة لسنوات متوالية يقوم صاحب النخلة بالاتفاق مع أقرانه بتخويف نخلته وحثها على الإثمار بطريقة طريفة حيث يجتمع أقرانه حول النخلة فيأتي صاحبها من بعيد يحمل في يده سيفا فيشهره وينطلق مسرعا نحو النخلة وهو يصيح بصوت عال ويقول “سأقطع هذه النخلة ولن أبقي لها قلبا ولا سعفا ولا جذرا”، فيتراكض أقرانه نحوه ويبعدونه عن النخلة ويدفعونه عنها ويسألونه: لماذا تريد قطع نخلتك؟ فيقول: إنها لم تثمر منذ كذا وكذا ثم يندفع نحوها من جديد وهو يتوعدها ويهددها ويقول “ذروني أقطعها وأتخلص منها”، فيمنعه أقرانه ويقف أحدهم فيقول بصوت عال: أنا أكفلها لك وأتعهد لك عنها بأنها ستثمر في العام القادم وإن لم تثمر فاقطعها وارمها في البحر، فيسكن غضب صاحبها ويتركها. ليأتي في العام التالي وقد أثمرت.